كان عليَّ أنا والضابط المرافق لي من سلاح البحرية الأميركية أن نعبر المسافة براً عبر الحدود المشتركة مع الكويت, كي نصل إلى مقر القيادة العليا لسلاح البحرية العراقية في ميناء أم قصر. وفي نقطة حدودية ما, كانت قد حضرت اثنتان من سيارات "الجيب" تولتا إدخالنا إلى مقر القيادة في مغرب ذلك اليوم. وعلى الرغم من أن ذلك الموقع كان الأكثر أمناً في العراق على الإطلاق, إلا أنه تعين علينا رغم ذلك, ارتداء السترات الواقية من الرصاص, بينما كانت بنادق وأسلحة قوات المارينز جاهزة ومعبأة بالرصاص, تحسباً لأي هجوم مباغت. وفي الوقت ذاته, فقد ظلت العيون مفتوحة على أي سيارة مدنية تمر بنا, بل وعلى كل دراجة من دراجات الصبية والأطفال الصغار العابرين, تحسباً لاحتمال أن تكون قد استغلت من قبل أحد الانتحاريين, لتنفيذ هجوم ما.

وليس من عجب أن تظهر القنابل المزروعة في جانبي الطريق في هذه المنطقة أيضاً. كيف لا والمتمردون ما انفكوا يوماً واحداً عن تطوير وسائل عملهم وأساليبهم في تدبير الهجمات المعادية وتنفيذها؟ فما أن شرعت قوات التحالف الدولي في استخدام وسائل التشويش المانعة لتفجير القنابل المزروعة في الشوارع بواسطة استخدام الهواتف النقالة, حتى اتجه المتمردون إلى استخدام الأشعة تحت الحمراء, المستعملة في أجهزة التحكم الذاتي ببوابات مرآب السيارات. فانظر إلى هذا الذكاء البشري الخارق, الموظف في أكثر النوازع البشرية عنفاً وشراً ودماراً!

وبما أن سلاح البحرية الملكي البريطاني يتولى تدريب نحو ألف من قوات البحرية العراقية, فكم كنت حريصاً على رؤية قادته لسببين اثنين, أولهما أن في الجهود الرامية إلى إعادة القوات البحرية العراقية إلى سطح البحر مجدداً, ما يمثل نموذجاً مصغراً متعدد الوجوه, يشمل الخير والشر, الجميل والقبيح, وكافة الألوان والعناصر التي تنطوي عليها مهمة إعادة بناء الجيش العراقي برمته. أما ثاني الأسباب فيتلخص في أن لسلاح البحرية العراقي أهمية عسكرية فائقة, هي مشاركته وتعاونه مع قوات البحرية البريطانية والأميركية والأسترالية, في مراقبة وحراسة الميناء العراقي الوحيد, بما في ذلك بالطبع, حراسة المنفذين الرئيسيين لتصدير النفط العراقي, الواقعين على سواحل أم قصر. ففي ذاك الساحل بالذات, يتم تحميل نحو مليون برميل يومياً من النفط –أي ما يقارب نسبة 90 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العراقي- إلى الناقلات البحرية التي تنقله إلى مختلف وجهات التصدير العالمي. وفي هذا أزفُّ لكم البشرى والأخبار السارة, التي على رأسها أن ميناء أم قصر, يمور الآن بالحركة وصعود السفن ونزولها منه على نحو يومي. فإلى هناك تمخر عباب البحر حوالى 50 سفينة من سفن النقل, مكملة رحلاتها من شتى موانئ العالم وسواحله, وقد أفرغت حمولتها من مكيفات الهواء والثلاجات وأفران المايكرويف وأطباق البث التلفزيوني الفضائي وغيرها من البضائع والأجهزة الإلكترونية والكهربائية والسيارات المستوردة لصالح المستهلكين العراقيين. ومما لفت انتباهي أن كل واحد من ضباط البحرية العراقيين الذين التقيتهم في زيارتي هذه, كان يحمل هاتفه النقال الخاص به, خلافاً للمرة السابقة التي زرت فيها الميناء قبل حوالي 18 شهراً, حيث لم يكن ولا واحد منهم, يستخدم تلك الهواتف. ليس ذلك فحسب, بل إذا ما أخذنا في الاعتبار أنه وقبل عام ونصف من الآن, لم يكن ثمة وجود فاعل ملموس لسلاح بحرية عراقي البتة, خلافاً لما هو عليه الحال الآن –حيث يوجد عدد من كادر محلي من ضباط البحرية- فإن هذا الواقع الجديد, لا يعني شيئاً آخر سوى أنه بات محتماً على قوات البحرية البريطانية والأميركية وقوات خفر السواحل الدولية العاملة هنا, تركيز اهتمامها على رفع كفاءة ومستوى تدريب المدربين العراقيين.

وبالفعل فقد لحظت أن تقدماً ما قد أحرز في هذا المنحى, على رغم بطئه وتواضعه. وإليكم بعض الصعوبات التي تكتنف مهمة التدريب هذه. فالشاهد أن إساءة التصرف من قبل القادة والقباطنة, عادة ما تعود بضباط البحرية العراقيين القهقرى, إلى الوسائل الصدامية المعهودة في إعادة الضبط والربط والنظام العسكري. فماذا اقترح أحد الضباط العراقيين للمستشار البحري البريطاني في هذا الخصوص؟ "حين يسيء أحد القباطنة أو القادة البحريين التصرف, فإن علينا دفنه في الرمال الحارة الحارقة حتى أذنيه, كي يتعلم كيف يحسن التصرف والسلوك" ..آخ من الفكرة ومن حر رمال الصحراء في عز نهار الصيف! لذا فقد كان من رأي الكابتن جون كلينك قائد سلاح البحرية الملكي البريطاني, أن أكبر تحد يواجه مهام التدريب تلك, هو تأهيل الكوادر الوسطية العراقية وإعدادها لأخذ زمام المبادرة والقيادة, خاصة عندما لا تسير الأمور في الاتجاه الصحيح. وأوضح الكابتن كلينك قائلاً إن جوهر هذا التحدي, يكمن في إحداث تغيير جذري في البنية الثقافية السائدة بين أوساط الضباط العراقيين, علماً بأنها بنية مستمدة من العهد "الصدامي" البائد. وأهم ما في تركة النظام الشمولي الاستبدادي, الذي حكم به صدام حسين العراق لما يقارب الثلاثة عقود, برمجة الأفراد على الخوف من تحمل المسؤولية, وفوبيا الخطأ والتقصير, على حد قول الكابتن كلينك. وهكذا انتزعت من غالبية العراقيين, روح المبادة وتحمل المسؤولية القيادية. وسؤالي الآن: هل تسترد هذه الروح إلى العراقيين مرة أخرى؟

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)