عشرات صواريخ القسام التي سقطت على سديروت هي رد فعل غريزي من قبل من ربيناه طوال خمس سنين على الاعتقاد أن اسرائيل تعتبر الستة آلاف قذيفة هاون وقسام التي ألقيت على سكان غوش قطيف مطراً ليس أكثر. كما أن قافلة السلاح الثقيل (بما في ذلك الكاتيوشا وفقاً للتقارير) التي مرت طوال عدة أيام على طول محور صلاح الدين المشرع، هي تعبير عن تصرف طبيعي تماماً من قبل من يعتقد أن "المقاومة هي التي ستحقق الأهداف" وأنه يتوجب الدمج "بين المفاوضات والمقاومة" (مدير عام وزارة الاعلام القلسطينية هاني المصري).

بعد "الغيث الأول" وعملية الرد العسكرية على وابل صواريخ القسام التي سقطت على سديروت يتوقع نزول أمطار أخرى. فحماس توجه تهديداتها، وفي المقابل سيسقط على ما يبدو "مطر ثان" و"مطر ثالث"، يبدو أنه لا يوجد أفضل من المطر الأول ـ الصورة المأخوذة من عالم المناخ الذي يسيطر عليه مبدأ الدورية ـ حتى نفسر مجرى الحرب ضد الارهاب. في رأس السنة سيبلغ عمر هذه الحرب خمس سنوات وميزتها الدورية المتعاقبة تحديداً هي التي تنطوي على الخسارة الاسرائيلية المركزية في المواجهة ضد الفلسطينيين ـ ذخر استراتيجي ضخم كان بيد اسرائيل ولم يعد لديها: الردع.

عملية الخسارة لم تحدث خلال يوم واحد، ولكن "الانتفاضة الثانية" كما يطلقون على الحرب الارهابية ـ أدت الى تشريعها جداً. منذ حرب سلامة الجليل اضطر الجيش الاسرائيلي لمواجهة حروب متدنية الشدة، ولكنه يجد صعوبة في مواجهتها رغم النجاحات الموضعية الكثيرة. سنوات طويلة مرت منذ أن أعلن دان شومرون، رئيس هيئة أركان الانتفاضة الأولى عن عدم وجود حل عسكري لتلك الحرب، وأن "الحل السياسي وحده" هو الحل. روحية هذه المقولة بقيت تحلق في الأجواء على المستوى السياسي حتى وإن لم يتم تبنيها من قبل رؤساء هيئة الأركان الثلاثة عشر الذين خلفوا دان شومرون. حكومات اسرائيل المتعاقبة من اسحق رابين وحتى ارييل شارون رفضت السير "حتى النهاية" في المواجهة مع الفلسطينيين.

الفلسطينيون سارعوا الى استيعاب هذه الروحية. هم استمدوا الجرأة والتشجيع من انسحاب اسرائيل المذعور من جنوب لبنان وبادروا الى انتفاضتهم الأخيرة التي ثكلت فيها اسرائيل (1065) من أبنائها. من شاهد فقط الفيلم المسمى "نظرة الى الاعلام الفلسطيني": زرعنا الخوف في اليهود ـ الفلسطينيون يتحدثون عن فك الارتباط" ـ كان بإمكانه أن يخرج بانطباع من مجمل التصريحات والجدل الفلسطيني الداخلي عن الطريق الذي ينظر منه قسم كبير من الفلسطينيين الى المستقبل: دائرة سحرية من حروب الارهاب التي تقود للانسحابات والمزيد من الحروب التي تقود الى المزيد من الانسحابات.. الارهاب يزرع والديبلوماسية تحصد.

أحد العناصر الأساسية التي قادت الى فقدان الردع كان أقل دلالة من المبادرة. الجيش الاسرائيلي بتوجيهات من المستوى السياسي، ضبط نفسه طويلاً في مرات كثيرة، اكتفى بردود الأفعال فقط، الشديدة تقريباً، لكنه بادر الى القليل من الهجومات. الأسوار في حي جيلو في القدس ذكرت بسور ماميلا، الحي المقسوم، وعلى امتداد الخط الأخضر ظهر سور واق، بيد أن الروح التي تقف من ورائه هي نقيض لـ"السور الواقي" الآخر ـ العملية التي أتاح فيها المستوى السياسي للجيش المجال لأخذ زمام المبادرة وتحقيق النتائج. هذا الانقلاب في التصور الأمني الاسرائيلي تجسد في صورة كل حارس أمني وضع على أبواب المطاعم والمقاهي والمباني العامة. فتحول الى إحدى أكثر المهن المطلوبة في اسرائيل.

فقدان الردع هو الذي وقف في أساس الانعطافة الحادة في أوساط العرب في اسرائيل. فخلال السنوات الخمس الأخيرة كشف النقاب عن عدد أكبر من الخلايا الارهابية في صفوف العرب باسرائيل أكثر من السابق. الشيخ رائد صلاح (وفقاً لتقرير لجنة أور) اعتبر الدولة عدواً وأطلق رسائل تنفي شرعية وجودها. في شهر تشرين أول 2000 إثر موت اثنين من أبناء سخنين قالت بلدية سخنين في نعيها لهم انهم "انضموا لقافلة شعبنا الفلسطيني في حربه من أجل الأرض..." وإنهم "سقطوا دفاعاً عن الأقصى... والأرض والوطن".

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)