تجرى اتصالات وتعقد اجتماعات بعيدة من الاضواء بين حلفاء سوريا في لبنان استعداداً لنتائج التقرير النهائي للجنة التحقيق الدولية في 21 تشرين الاول المقبل. ويعتقد هؤلاء انهم سيكونون معنيين مباشرة بالتقرير لاسباب بعضها يتصل بما يمكن ان يصيب سوريا منه، والبعض الاخر بموقعهم السياسي وبين هؤلاء مَن هو ممثل في الحكم كـ"حزب الله" وحركة "امل"، أو خارج السلطة كالوزيرين السابقين سليمان فرنجيه وطلال ارسلان والحزبين السوري القومي الاجتماعي والبعث. اضف الى هؤلاء الرئيس اميل لحود الذي سيكون احد ابرز المعنيين والمتأثرين خصوصاً بنتائج التقرير. وهو يلتقي بعض هذا الفريق من المحتجبين عن الاعلام منذ الانتخابات النيابية الاخيرة.

واستناداً الى بعض المعلومات فان "حزب الله" يقع في قلب هذا التحرّك المرتبط بالخطوات التالية لصدور التقرير النهائي، وخصوصاً ان المعلومات المتوافرة لدى هذا الفريق الذي لا يزال على اتصال وثيق ودوري بدمشق تعكس انطباعاً مغايراً تماماً للذي لدى اركان السلطة الذين يعتقدون ان لدى القاضي الالماني ديتليف ميليس ادلة كافية على ضلوع سوريا في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. في حين ان فريق حلفاء دمشق يتحدث عن تقاطع موثوق به للمعلومات من اكثر من جهة بينها القيادة السورية نفسها يشير الى غموض حيال توجيه اتهام او اشتباه بسوريا في الاغتيال. ويبدو بحسب ما يقول هؤلاء ان رئيس الجمهورية يملك معلومات مماثلة.

وقد عكس هذا المنحى السجال الساخن في مجلس الوزراء مساء الخميس بين وزير العدل شارل رزق ووزير الاتصالات مروان حمادة. والواضح ان المسألة المحورية التي انطوى عليها سجالهما لا ترتبط بالتفاصيل الكاملة والدقيقة لعمليةٍ اغتيال رئيس الوزراء الراحل ظهر 14 شباط، وانما بهوية الجهة السياسية التي كانت وراء المنفذين. ولا يعدو دور هؤلاء الاخيرين سوى جزء من المسؤولية المترتبة على الجريمة. ولذلك يقترن التشنج السياسي الحالي في مجلس الوزراء وخارجه بتسابق الطرفين على الايحاء بأن حقيقته هي الحقيقة النهائية: هل ان سوريا هي التي قتلت الرئيس السابق للحكومة؟ لكن فريق حلفاء دمشق يحاول توجيه طرح المشكلة. وعوض ان يسأل هل تتهم سوريا، تراه يقلب السؤال: كيف ستتهم سوريا؟ ساعياً في الوقت نفسه الى التشكيك في عمل لجنة التحقيق الدولية وصدقيتها والى ترجيح "تسييس" التقرير النهائي. وهو يصطدم بوجه اخر من المشكلة يبرز في المعطيات الآتية:

- اذا حمّل التقرير النهائي للجنة التحقيق الدولية سوريا المسؤولية مباشرة عن اغتيال الحريري، فسيكون من حق حلفاء سوريا ان يسألوها عن دوافع اغتيالها رئيساً سابقاً للحكومة وزعيماً في حجم الحريري والتسبب بانهاء دورها في لبنان بشقيه السياسي والعسكري وتعريض الخيارات التي كان قد سلكها الحكم اللبناني للانهيار تماماً بانقلاب سياسي جرف الحلفاء ووضع العلاقات اللبنانية – السورية في مهب الريح وارسى كرهاً وعداء لا سابق له بين شعبي البلدين.

- ان اتهاماً مباشراً لسوريا بمسؤوليتها عن اغتيال الحريري سيعرّض التوازن السياسي الجديد الذي نشأ بعد انتخابات 2005 للسقوط، وسيمكّن فريق السلطة الدائر في فلك رئيس الغالبية النيابية النائب سعد الحريري من السيطرة على كل مفاصل الحكم في لبنان، فضلاً عن تأكيد صحة الاتهامات السياسية التي كان قد ساقها هذا الفريق الى سوريا بعد اغتيال الرئيس السابق للحكومة. وهو امر يقود الى احراج طرفين:

- الأول رئيس الجمهورية الذي سيصبح عندئذ وان على نحو غير مباشر متهماً في أبسط الأحوال ما دام الشريك الذي حكم من خلاله هذا البلد قد اغتال رئيساً سابقاً للحكومة. وسيفقد اذذاك شرعية استمراره في منصبه ويفتح الباب على الاستحقاق الرئاسي مجدداً.

- والآخر "حزب الله" وحركة "امل" اللذان سيفقدان مقدرتهما على المناورة داخل السلطة وخصوصاً في مجلس الوزراء مما يعرّض التوازن السياسي داخل السلطة التنفيذية لخطر جنوحها لمصلحة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والنائب الحريري اللذين سيكون في وسعهما القول انهما يريدان ان يحكما بلا شريك سياسي. الا ان ذلك لن يقود بالضرورة الى مشكلة تتصل بدور المقاومة التي قد تبقى في منأى عن التحول الجديد في السلطة وفي توازن القوى الذي سيعني اذذاك ما قصده رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط اكثر من مرة عندما تحدث عن ضرورة الانقلاب الكامل.

بطريقة ما طبقاً لما يتوقعه اركان السلطة فان تقرير القاضي الالماني سيؤدي الى انقلاب من ضمن الانقلاب. امر واقع كهذا يتحقق اذا اراد "حزب الله" ذلك. الا انه الاخير، في الوقت الحاضر، في المقلب الآخر من كل التوقعات التي يتداولها اركان السلطة.

مصادر
النهار (لبنان)