بعد تكاثُر الاجتهادات في شأن التطبيع مع اسرائيل وأحدثها الاجتهاد التسامحي لرئيس وزراء تونس الذي أورده في مؤتمر صحافي عقده في دبي قبل أمس متمثلاً بقوله: "لا خلاف مباشراً بين تونس واسرائيل ونحن على استعداد تام للتطبيع مع اسرائيل واقامة علاقات عادية في ظل تمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه•••"

بات لا بد من تحديد مبادئ لهذا التطبيع المفتوح تقطع الطريق على الاجتهادات والمجتهدين•• وما نقصده بذلك هو استصدار تفسير معنى التطبيع وعدم إباحة اعتماد الخطوات التطبيقية قبل استرداد الشعب الفلسطيني حقوقه أو على الأقل قبل استصدار بيان من الأمم المتحدة يجدد التأكيد على ان القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن هو السقف الدولي الذي تتوقف عند بنوده الابتزازات الاسرائيلية، وأن المبادرة العربية التي اقرتها بالإجماع القمة الدورية الثانية في بيروت يومي 23 و24 آذار 2002 هي السقف العربي الذي ليس من حق أي دولة عربية تجاوزه ما دامت صوتت على تلك المبادرة• ونقول ذلك لأنه في غياب ما ندعو اليه سنجد كل يوم من يفسر على هواه ويجتهد وفق اهوائه• كما اننا سنجد تبعاً لذلك وزير الدفاع الاسرائيلي شاوول موفاز يضيف وغيره من الليكوديين المبهورين بفوز شارون على نتنياهو المزيد من التصريحات المماثلة للتصريح الذي أدلى به وقال فيه إن الجولان سيبقى بيد اسرائيل إلى الأبد وان اسرائيل ستبذل كل جهد لتوسيع الاستيطان فيه مرفقاً هذا التصريح بوضع حجر الاساس لمنطقة صناعية جديدة في مستوطنة "كترين" في الجولان• والتصريحات هذه تشكل استهانة اسرائيلية بالقرار الدولي مماثلة لإستهانة ارييل شارون الذي قال عن القدس ومن على منبر الامم المتحدة كلاماً مماثلاً معتبراً ان المدينة التي على أرضها الحرم الثاني هي عاصمة اسرائيل الأبدية•

ونخشى ان يكون الشارونيون ومعهم المجتمع الدولي إعتبروا السكوت العربي الرسمي عن هذا الكلام علامة رضى أو في الحد الادنى ان المثل الشعبي "أُذن من طين وأُذن من عجين" كان هو رد الفعل• كذلك نخشى ان يكون السكوت العربي الرسمي عمّا قاله موفاز في شأن الجولان مماثلاً للسكوت الآخر ويشجع الحكومات والانظمة العربية على ذلك ان الحكم السوري يعيش الآن مأزقاً دولياً اوجبت عليه تداعيات هذا المأزق المتعلق بلبنان من جهة والعراق من جهة اخرى ان يبلع السكين، آخذاً بنصيحة الرئيس حسني مبارك بعدم التصريح ضد الادارة الاميركية، مكتفياً بالرد على موفاز من خلال تعليق اذاعي جاء فيه "إن ما حدث في جنوب لبنان وغزة لا بد سيحدث في الجولان والضفة الغربية والقدس عاجلاً أم آجلاً" ويتحدث عن التوجهات العدوانية الاسرائيلية وكأنما مثل هذه التوجهات ليست متواصلة منذ العام 1948 مع تنوع في الاعتداءات•

ونقول ذلك من دون أن نقفز فوق الزيارة البالغة الاهمية التي قام بها قبل ايام إلى موسكو رئيس الاركان السوري العماد علي حبيب والتي على رغم التكتم الروسي والسوري معاً على نتائجها عدا تسريبات مفادها ان صفقة سلاح تتجاوز المليار دولار تم ابرامها، من شأنها ان تؤسس لنقلة نوعية في العلاقات السورية - الروسية يفرضها هذا التضييق الاميركي على الخناق السوري، كما ان من شأنها ان تردع بعض الشيء اسرائيل عن افعالها واستفزازاتها المتكررة• وما يستوقفنا في زيارة رئيس الاركان السوري انها متزامنة مع ضجيج المساءلة الدولية في شخص المحقق الدولي ديتليف ميليس وبعض معاونيه لعدد من المسؤولين المدنيين والعسكريين في شأن عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري•• وكأنما هي رسالة من الحكم السوري إلى الأشقاء العرب المتباعدين مفادها ان هذا الموقف من جانبهم عدا الموقف المصري الذي يسدي النصيحة بروحية إسدائها إلى العقيد معمر القذافي عندما كادت الفأس الاميركية - الدولية تصل إلى الرأس القذافيّ، يجعله يطرق الباب الروسي وعلى نحو طرْق اهل الحكم الايراني لهذا الباب•

وعند التأمل في البيان الروسي عن الزيارة نلاحظ الإكتفاء بالقول إن لقاء رئيس الاركان السوري ووزير الدفاع الروسي سيرغي ايفانوف "تناول صيانة وتحديث العتاد العسكري السوري من قِِبَل خبراء روس وتدريب عسكريين سوريين في المراكز الروسية واتفاقات محتملة على شراء اسلحة روسية••"• ومثل هذا التبسيط الرسمي والمفردات الإيحائية للزيارة ربما الغرض منه عدم إقلاق المجتمع الدولي الذي يربط بين الزيارة وبين تصريحات تلفزيونية ادلى بها الرئيس فلاديمير بوتين بينما زيارة رئيس الاركان السوري لم تنته بعد، واشار فيها من جملة ما اشار إلى الإنتاج الصاروخي الجديد لروسيا والذي هو من النوع "الذي لا يُقهر" على حد قوله• وهنا تجدر الاشارة إلى امرين• الاول هو أن رئيس الاركان السوري زار يوم الثلاثاء الماضي مؤسسة روسية تشتهر بتصنيع الصواريخ البالغة الدقة وان وكالة "انترفاكس" نقلت عن مصدر في وزارة الدفاع قوله انه تم الاتفاق على زيادة عدد الضباط السوريين الذين سيتلقون تدريباً في روسيا من ثلاثين إلى خمسين• أما الأمر الثاني فهو أن مصادر تركية نقلت عن رئيس الحكومة رجب طيب اردوغان تحذيره الادارة الاميركية من ان اللعب مع الحكم السوري سيكون خطيراً للغاية وأن سوريا ستكون اسوأ من العراق•

خلاصة القول إن باب التطبيع المفتوح على مصراعيه يحتاج إلى تقنية أو ترشيد يخفف من اندفاع المطبِّعين بسرعة صاروخية• كما ان الموضوع السوري يحتاج إلى وقفة عربية تكون على الأقل بمستوى موقف فرنسا كما اورده وزير خارجيتها فيليب دوست بلازي اول امس خلال زيارة لمدة يوم لوحظ ان حدوثها جاء عقب زيارة الرئيس بشار الأسد ومحادثاته مع الرئيس حسني مبارك• ومما قاله الوزير الفرنسي: "ان فرنسا ترغب في إقرار العدل في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري كما انها لا ترغب في حصول اي زعزعة في سوريا••"•

وبعد ثلاثة ايام يبدأ شهر الصوم الذي هو افضل المناسبات للتأمل في الأمرين، أمر التطبيع المفتوح وأمر محاذير اللعب مع الحكم السوري خشية ان تعصف اعاصير احتقانات الغضب وتضييق الخناق على الرقاب بالاستقرار•• وربما بالأخضر واليابس•

مصادر
اللواء (لبنان)