تسارع الأحداث على جبهة مثلث الأوجاع والأحزان: لبنان - العراق - فلسطين وبالعكس يجعل المنطقة عرضة لمزيد من السخونة والتصعيد في أكثر من اتجاه وعلى غير صعيد، خصوصاً على شهر تشرين الأول (اكتوبر) الحالي. ونحاول في طرحنا ومعالجتنا لما تشهده ساحات مثلث الأضلاع أن نكون واقعيين في النظرة وفي التحليل بلوغاً إلى بعض الاستنتاجات فنخشى أن نتهم بنشر التشاؤم، وإذا ما اعتمدنا عكس ذلك نكون مغايرين للحقيقة وللمعلومات المتاحة عما ينتظر لبنان والمنطقة في هذا الشهر تشرين الأول، وهو شهر المزيد من الاستحقاقات. ففي لبنان هو شهر تقرير المحقق الدولي ديتليف ميليس والمضاعفات المرشحة لمضمون هذا التقرير. وفي العراق هو شهر الاستفتاء على الدستور الجديد المتنازع عليه أصلاً. وفي فلسطين هو شهر انتخابات وتواصل الصراع على النفوذ بين السلطة الوطنية المتمثلة بحركة «فتح» والمنظمات الأخرى وفي الطليعة «حماس» و»الجهاد الإسلامي».

ماذا عن لبنان أولاً؟ لم يكن الوضع اللبناني بحاجة إلى تعرض الزميلة مي شدياق لعملية إجرامية ضمن سلسلة استهدافات الوجوه السياسية والإعلامية المؤثرة والفاعلة في أوساط الرأي العام، كي يتأكد الجميع أن الوضع في الوطن الصغير يبدو مقبلاً على ما هو أكثر فداحة وخطورة مما حدث حتى الآن.

وفي الإطار العام: يطرح السؤال مرة أخرى عن قدرة لبنان وتمكنه من ممارسة «الحكم الذاتي» بنفسه بعد فترة انسحاب القوات السورية من لبنان، إنفاذاً للبند الأول من قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1559. وحقيقة الأمر تفيد بأن لبنان لم يبن دولة المؤسسات في حالة السلم النسبي التي أعقبت التوصل إلى اتفاق الطائف واعتمد كلياً، مرغماً أو مستسلماً، وبإرادة بعض حكامه وأبنائه للاعتماد، على «دولة الوصاية». وكما كان لهذه الفترة الكثير من التداعيات كان على رجالات لبنان أو من تبقى منهم أن يكونوا في غاية الحذر والحيطة للفترة التي أعقبت عهد الوصاية السورية، فتركت الأمور على غاربها وطغت نزعة التهليل بالخروج السوري على أي اعتبار آخر، وهذه هي النتائج التي تجري تؤكد صدقية هذا التطور. إن البحث عن الحقيقة في لبنان هم وطني كبير، ومعرض خلال الأيام التالية لأن يكبر أكثر فأكثر. فإذا كان البحث عن الحقيقة اقترن بمعرفة من قتل الرئيس رفيق الحريري في بداية الأمر، فإن هذا الضائع بات بصفة الجمع لتتحول الحقيقة إلى حقائق، والقاتل إلى مجموعة قتلة. كل الآمال معلقة الآن على تقرير ميليس، ومع سفر المحقق الدولي إلى إحدى الدول الأوروبية (جنيف أو فيينا) يصرخ اللبنانيون أو بعضهم على الأقل: لا تتركنا في بحر هائج يا سيد ميليس! وهذا تعبير شاع في عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب عندما رفع عدد من النواب الشهابيين شعار: لا تتركنا في بحر هائج أيها اللواء... في محاولة لإقناعه بتمديد ولايته.

ومن دون الانسياق وراء التسريبات المتصلة بتقرير ميليس وحتى لا يقع اللبنانيون في خيبة أمل جديدة، فالمعلوم أنه أصبح يملك الكثير من المعلومات التي لم تكن متوفرة في السابق، لكن الأمر لن ينتهي في 21 تشرين الأول، بمجرد نشر تقرير المحقق ميليس، فالعديد من الخطوات يجب أن تتبع ذلك ومنها المرحلة الأكثر دقة وتعقيداً وهي مرحلة المحاكمة. والصيغ المطروحة تراوح بين محكمة لبنانية تنعقد خارج لبنان على طريقة «محاكمة لوكربي» الشهيرة، إلى حد ما،أو تأليف محكمة مختلطة تضم قضاة لبنانيين ودوليين ويحددّ مكان انعقادها. لكن السؤال المحوري: هل باستطاعة لبنان أن يبقى في حالة الانتظار القلق طوال هذه الفترة؟ والأهم: ما الذي يحمي أمنه خلال هذه الفترة الانتقالية؟

يبحث رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الآن في أمر الاستعانة بـ «خبرات أجنبية» لمساعدة لبنان على ضبط أمنه ووقف مسلسل الموت اغتيالاً وتفجيراً. ورغم أن هذا الطلب يقتصر على «الجانب التقني»، فهو أثار وسيثير العديد من الإشكاليات لدى بعض المتخوفين من التدخلات الأجنبية في الشأن الداخلي اللبناني. وأول المعترضين كان «حزب الله» وتحديداً على الاستعانة بقوات تابعة للتحقيقات الفيديرالية الأميركية فيما بدأ البعض يتهم الحكومة باعتماد «الأمن الوكالة». والحقيقة التي يجب أن يتصارح بها اللبنانيون، خصوصاً الذين يشاركون في الحكم وفي الحكومة: هل يكفي هذا التدبير لبناء منظومة أمنية وطنية يمكن الاعتماد عليها في حماية اللبنانيين من تفجيرات تعد في الغرف الظلامية من داخل الحدود ومن خارجها؟ وتتجول بكل حرية وسهولة وجرأة ووقاحة وتغتال اللبنانيين في وضح النهار ليلقى القبض على القتيل ويفر القاتل كالعادة! ولا يعثر حتى الآن على أي من هذه الأشباح على حدّ تعبير وزير الداخلية حسن السبع؟ إن أحد أوجه «إيجابيات» مآسي الأيام والأحداث اللبنانية السابقة ظهور حركة «كفى» والتي تضم المجموعة الشبابية من كل الأحزاب والفئات والطوائف والعقائد لتصرخ بالصوت العال أن كفى استهدافاً لوجوه سياسية وإعلامية.

نعبر من لبنان إلى العراق، حيث السباق على أشده بين التأجيج الأمني والقتل الجماعي، والصراع على وحدة العراق المهددة في غير اتجاه. وفي هذا المجال كان يؤخذ على الديبلوماسية السعودية أنها تؤثر سياسة العمل الصامت ولا تريد الدخول في سجالات سياسية أو إعلامية، لكن عندما تقرر المملكة أن تتكلم فهذا يعني أن لديها ما تقوله وتعلنه. وهذا ما حدث عندما أعلن الأمير سعود الفيصل تحميل الإدارة الأميركية الأخطاء التي ارتكبتها في العراق وحياله وأنها لم ولا تستمع إلى النصائح التي تسدى إليها لإنقاذ الوضع البالغ الخطورة مما هو عليه حتى وصل الأمر إلى نقطة اللاعودة. لكن عقلانية المملكة تجعلها تمتنع عن المطالبة بالحلول العسكرية لحل النزاعات رغم الإقرار بالمد الإيراني الذي توغل في العراق والمنطقة.

وفيما تحدث العديد من المعلومات والتقارير عن «منح الولايات المتحدة العراق لإيران» والتسليم بالهيمنة الإيرانية التي أصبحت أمراً واقعاً. فإن هذا الأمر يترك واشنطن تبحث عن بدل عن ضائع لانتصار أفلت زمامه أو يكاد («الحياة» 18 أيلول/ سبتمبر 2005)، فإن مصير العراق كوحدة متكاملة هو المطروح على بساط البحث. أما الاستفتاء على الدستور، الذي سيجري في منتصف هذا الشهر، فلن يشكل حلاً للمعضلات القائمة، بل ان ما رافق الاتفاق على نصوص مواد هذا الدستور ومن خلافات دفينة مرشحة للتفجر ستقضي على آمال الحالمين بعراق متعدد الأعراق ضمن صيغة وحدوية، بل أن شعار فيديراليات الطوائف (الذي يتردد أحياناً في لبنان) هو الأقرب للتنفيذ في العراق في ضوء سقوط نظرية الفيديرالية الجغرافية والعرقية.

فمقابل الحكم الذاتي للأكراد والذي سلّم فيه كثيرون من العراقيين في البداية، راحت عدوى الفيديراليات الطائفية تنتشر حيث تجري المطالبة بواحدة في جنوب العراق (الشيعة)، وقد أعلن عنها صراحة السيد عبدالعزيز الحكيم على أنها نتيجة طبيعية لما يشهده العراق حالياً. وإذا حصل ذلك، فإنه يترك واقع السنّة في مهب رياح هذه الفيديراليات ويخشى أن يكرر العديد منهم الخطأ نفسه الذي اعتمد في مقاطعة الانتخابات التي جرت مطلع العام.

كذلك اشتد الخلاف على درجة عروبة العراق، وبعد مشاورات بين الرئيس جلال طالباني وغيره من المسؤولين مع العديد من الدول العربية والجامعة العربية التي تبدي حرصها على عروبة العراق، في حين أن القيمين على الأمور في بغداد اليوم يبدون وكأنهم سئموا هذه العروبة التي لم تقدم لهم شيئاً منذ تغيير النظام الصدامي. وحيث يشارف عدد الجنود الأميركيين الذين قتلوا في العراق حتى الآن الألفين، تقريباً ما زال الرئيس جورج بوش يبشر بالتفاؤل بتحسن الوضع. لكن أركان إدارته يتوقعون تصعيداً كبيراً خلال الأيام المقبلة، خصوصاً في الفترة التي تسبق الاستفتاء على الدستور. وقد فاجأنا الأمين العام للجامعة العربية السيد عمرو موسى عندما قال قبل أيام إنه «لم يعرف العرب! إلا خلال السنوات الخمس الأخيرة، ولم أكن أعرف ميلهم إلى الانتحار»!

تلتقي هذه التصريحات - صدفة - مع تحليل أميركي في السياق نفسه، كما تندرج تحت عنوان «العدوى الانتحارية». ويأتي في التفسير الأميركي «أن الأعمال الانتحارية تصبح كالعدوى تنتشر بين الشباب خصوصاً في سنوات المراهقة وأوائل سن البلوغ في معرض البحث عن الهوية الذاتية وعن البطولة. وتستند هذه النظرية الأميركية إلى دراسات أعدتها مجموعة تهتم بالأبحاث، وخلصت الى أنه «عند حدوث نوع معين من الانتحار يصبح جزءاً من ذهنية». وفي سياق خطة مواجهة موجة التفجيرات البشرية، وهي ما يهم الأميركيون كثيراً، يأتي الاستنتاج الآتي: «علينا أن نتجنب الفتوحات الجديدة المتهورة مثل التي أدخلتنا إلى العراق». وقد عزت أعداد التفجيرات الانتحارية إلى «إزدياد الشعوب التي باتت تحت الاحتلال»، وأحد الأمثلة الحية: «كان عدد الفلسطينيين واللبنانيين في ثمانينات القرن الماضي الواقعين تحت الاحتلال الإسرائيلي في حدود ستة ملايين نسمة، والآن يشعر ما يقارب العشرين مليون عراقي، وخصوصاً الملايين الخمسة من السنّة، بأنهم تحت الاحتلال الأميركي»... وهكذا، وصولاً إلى الاستنتاج المهم الآتي: «إذا أردنا وقف انتشار وباء الانتحار، علينا أن نوقف انتشار وباء الاحتلال».

ونصل إلى الوضع الفلسطيني الذي وإن بدلت الأحداث في درجة أولوياته، فإن القضية الفلسطينية كانت ويجب أن تبقى القضية المركزية العربية الأولى. لكن هذا الأمر لم يعد مسؤولية عربية أو دولية فحسب، بل هو مسؤولية الفلسطينيين أنفسهم بالدرجة الأولى. ذلك أن التطورات التي أعقبت انسحاب القوات الإسرائيلية من غزة قد لا تشجع كثيراً. فالاحتفال بالتحرير مسموح ومطلوب، ومتابعة النضال مطلوبة أكثر من أي وقت مضى، لكن تنسيق حركية هذا النضال بين السلطة الوطنية ومختلف الفصائل هو أكثر المطلوب في هذه الآونة بالذات. ومع اقتراب توجه السيد محمود عباس إلى واشنطن للقاء الرئيس بوش (20 الشهر الحالي)، يجب أن يكون موقع الرجل مدعوماً ومعززاً بوحدة موقف داخلي فلسطيني، فشلت كل المحاولات في تحقيقه حتى الآن، رغم كل الجهود التي بذلت وكل الوعود التي قطعت في هذا المجال.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)