بعد الأنباء التي شاعت عن تسلل أسلحة ومقاتلين من «الجبهة الشعبية - القيادة العامة» في سورية الى لبنان، اذا بمعلومات مماثلة تتناول «فتح - الانتفاضة» التي تسلك الطريق نفسها.

و «فتح - الانتفاضة» هي «الانتفاضة» على «فتح». ومنظوراً الى الأمر من زاوية ولادتها وظروف تلك الولادة، في النصف الأول من الثمانينات، يتبدى أننا حيال مجموعة انشقّت بالسلاح عن التيار العريض للوطنية الفلسطينية واغتالت، في هذه الغضون، أحد القادة الميدانيين لذاك التيار: سعد صايل. أما انشقاقها هذا فجاء في لحظة احتدام الصراع بين الوطنية المذكورة والنفوذ الاقليمي السوري.

بلغة أخرى: بعدما نجح الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982 في اخراج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، قررت دمشق ان تحتكر وحدها المساحة التي كان يشغلها التحالف السوري - الفلسطيني. في السياق هذا، طُرد ياسر عرفات من العاصمة السورية بالمعنى الحَرفي الأكثر إذلالاً لكلمة «طرد». وفي السياق نفسه نشبت حرب طرابلس لاخراج «فتح» من عاصمة لبنان الثانية استكمالاً لما قام به الاسرائيليون حين أخرجوها من عاصمته الأولى. وفي السياق اياه اندلعت حرب المخيمات المصحوبة باغتيالات للشيوعيين فُهم منها ان البعث السوري لا يريد الا «حزب الله» طرفاً أوحد يحتكر المقاومة في الجنوب.

وإنما هذا السياق هو ذاته الذي أنجب «فتح - الانتفاضة» بقيادة المدعوّين أبو موسى وأبو خالد العملة وأبو صالح.

ما يعنيه هذا ان «فتح - الانتفاضة»، بعيداً عن اللياقات والتزويق الكلامي، أداة سورية تعمل ضد المصلحة والارادة الفلسطينيتين. ويُستبعد، تبعاً لهذا، ان تهتم، او يهتم حليفها السيد احمد جبريل، زعيم «القيادة العامة»، بأوضاع فلسطينيي لبنان ومصالحهم، وبإمكان تعرضهم لغرائز لبنانية، شبه عنصرية، لا تضمر الخير لأي «غريب» في لبنان.

يأتي هذا كله في لحظة بالغة الحراجة والخطر من تاريخ المشرق: صحيح ان العراق يحتل، وبلا مقارنة، قصب السبق في الدم والمأساة والتفسخ، وفي الأهمية ايضاً. لكن لبنان، كما هو معلوم، يحاول بصعوبة قصوى لملمة أجزائه فيما قد تضعه نتائج تقرير ميليس أمام منعطف ليس من المبالغة وصفه بالوجودي. وفلسطين، بدورها، قد ينتهي أمر قضيتها على نحو بائس إن لم يُتَح لسلطة الرئيس محمود عباس أن تُقلع: ويُخشى، في الاطار هذا، ان تكون اشتباكات غزة، قبيل رحلة أبو مازن الى اميركا وبعيد هزيمة «حماس» في الانتخابات البلدية بالضفة، محاولة حاسمة لمنع ذاك الاقلاع ودقّ المسمار الأخير في نعش القضية الفلسطينية.

وقصارى القول اننا اذا ما طرحنا التفاصيل جانباً، وجدنا أنفسنا أمام «حزبين» في المشرق: أحدهما يقول، بصيغ مختلفة، ما قاله محمد نزّال من بيروت، معلناً عن وجود «تيار استئصالي في السلطة يعمل على توتير الوضع الداخلي وإشعال حرب أهلية». وهو «حزب» قد يُسمى مقاومة وقد لا يُسمى، لكن الحاسم فيه رفضه ان تُبنى دول وإرادات وطنية في بلدان المشرق، ما خلا دولة واحدة عسكرية تبحث عن تصريف أزماتها خارجها. والثاني، يتحدث بلغة بناء الدول والحؤول دون ترجمة عنفية للانقسامات، الأهلي منها وغير الأهلي. وليس قليل الدلالة أن نجد السلطة الفلسطينية، لا سيما بعد مأساة السلاح الفالت في جباليا، تستخدم مفردات سبق ان استخدمتها السلطتان اللبنانية والاردنية حين حاولتا، في السبعينات، ردع أزدواج السلاح في بلديهما.

بيد أنها لوحة لا تكتمل بغير التذكير المؤلم بأن سورية ليست في وضع يتيح لها المضي في هذه السياسة وافتراض ان النار «هناك» ستبقى هناك. فحين تلجأ مجلة رصينة كـ «ايكونوميست» البريطانية الى طرح ثلاثة سيناريوات على المصير السياسي السوري المباشر، فهذا يستدعي، من سادة دمشق، وقفة جدية.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)