ساد الاعتقاد التالي أوساطاً كثيرة من المثقفين الغربيين والعرب، وهو أن ظاهرة الأصولية مسألة تخص الفكر الديني وحده، إضافة إلى كون هذا الفكر إسلامياً أو يهودياً فحسب• وقد برز هذا الاعتقاد خصوصاً في سياق الصراع العربي -الإسرائيلي، ثم مع اندلاع أحداث الحادي عشر من سبتمبر• ودون تدقيق وتفصيل مباشرين، يمكن القول إن ظاهرة الأصولية ذات طابع عمومي يمكن بمقتضاه أن نضع يدنا عليها في مناطق مختلفة، جغرافياً وتاريخياً وثقافياً وإثنياً، كما يمكن أن تتجلى في مختلف الأنساق العلمية والإيديولوجية•

في ضوء ذلك كله ومن موقع كونه وجهاً من أوجه التحولات الراهنة العظمى على كل الأصعدة، راحت تزدهر الأصولية في الغرب نفسه، الأوروبي والأميركي، ليس على صعيدي السياسة والإيديولوجيا فحسب، وإنما كذلك في حقول عملية ونظرية، وربما على هذا الأساس، أتى الباحث والأستاذ الجامعي الأميركي دوجلاس مايسي على تناول موضوع الأصولية في عدة حقول، وقد أصدر كتابا منذ بضعة أشهر وحمل عنواناً طريفاً هو ’’عودة كلمة (ل) -رؤية ليبرالية للقرن الجديد’’، وتعرض لقضايا متعددة، منها تاريخ الليبرالية أميركياً وبدء خفوتها مع الهجوم الذي وجهه المحافظون إليها مع مطلع السبعينيات من القرن العشرين، إلى المرحلة الراهنة؛ وشعور اليسار الأميركي بأنه محاصر من قبل هؤلاء، والأطياف التي يندرج تحتها التفكير الليبرالي، وكذلك النحو الأصولي الذي نحتْ فيه مجموعات من الأميركيين تحت عناوين متعددة•

ويرى المؤلف مايسي أنه يمكن تصنيف المجموعات اليمينية في الحياة السياسية الأميركية إلى خمس هي التالية: مجموعة الأصولية الدينية بمختلف توجهاتها، والتي تضع هدفاً لها التأسيس لدولة أصولية دينية على أرض الولايات المتحدة الأميركية• وهذه الدولة تنطلق من أن إرادة ’’الأمة الأميركية’’ إنما هي من إرادة ’’الرب’’، الذي وعدها بالسيطرة الكلية على العالم برمته• وبعد ذلك، وربما معه وفي سياقه، تأتي مجموعة الأصولية الاقتصادية، وهذه تجعل من ’’السوق’’ مبتدأ الموقف ومنتهاه، مُقصية بذلك دوراً ما للدولة في حياة المجتمع وضوابطه• ومن طرف ثالث، تبرز المجموعة الثالثة من الأصولية الأميركية لتحمل طابع الحرص على الدستور الأميركي• ها هنا، تفصح المجموعة الرابعة عن نفسها عبر التقاطع والتواشج مع المجموعة السابقة، وذلك تحت صيغة ’’المحافظين الجدد’’، الذين يمارسون دوراً قيادياً حاسماً في الإدارة الأميركية الحالية• أخيراً، تبرز مجموعة خامسة تحمل دلالة قائمة على المفارقة المنطقية، وذلك حيث يعلن أصحاب هذه المجموعة عن أنهم يأخذون بـ’’التحرر’’ وبـ’’أفكار التحرر’’• أما المقصود ها هنا فيتحدد في التوجه نحو التحرر من إلزامات وحيثيات واستحقاقات الدولة عموماً، والدولة الوطنية على نحو الخصوص•

وتتضح سمات المجموعات الأصولية سابقة الذكر، حين نضع اليد على ارتباطاتها وعلاقاتها مع مؤسسات قديمة وجديدة تشتغل بـ’’المال’’ على اعتباره منطلق الوجود الاجتماعي والمدخل إلى كل الحقول المجتمعية، ومن شأن هذا أن يُفصح عن اتجاه تلك العلاقات الرئيسة، وهو اتجاه نحو الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات والتي هي من ’’ذات الجنسية الواحدة’’، كذلك• ومع هذا وذاك، تتضح شبكة هذه العلاقات الواسعة والآخذة في الاتساع نحو كل ما من شأنه أن يقوّي ذلك المدخل محلياً وإقليمياً ودولياً، وببعدين اثنين، أحدهما أفقي يسعى إلى الدخول في جغرافيا العالم كله، والآخر شاقولي يمتد إلى أعماق الحياة الاجتماعية• أما الهدف فهو اجتثاث ركائزها المتكونة حتى الآن، وتأسيس ركائز أخرى لها• وبذلك، فإن حديثاً عن ’’تاريخ جديد’’ يصبح وارداً، في ضوء المنطوق الفوكويامي والمنظومة الإيديولوجية العولمية الجديدة•

إننا وقد لامسنا بعض إشكاليات الفكر الأصولي الأميركي الراهن، لاحظنا كم الأمر معقد ومتشابك فيما بين أوجهه بالاعتبارين الإيديولوجي والتاريخي أولاً، كما لاحظنا حقل الصعوبات الواسع والممتد أمام ’’المجموعات غير الأصولية’’ في هذا الفكر ثانياً• ولم يفت الباحث مايسي التنبه إلى ذلك، حين طرح على نفسه سؤال الفعل الإصلاحي التغييري الديمقراطي في الولايات المتحدة، على نحوٍ ’’يحوّل الرذيلة إلى فضيلة’’•

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)