بعض الآراء السياسية بدأت بالانطلاق منذ عامين مع ازدياد الضغوط على سورية، داعية إلى التوجه نحو الداخل السوري، ووصلت ذروة الحملة في هذه الآراء قبيل انعقاد المؤتمر القطري لحزب البعث .. وهي مستمرة حتى اليوم بالتعامل مع المسألة السورية على نفس السياق.

والتوجه نحو الداخل يتم استخدامه رسميا أو اجتماعيا عبر "الإصلاح" الذي أصبح عنوانا، وحت برنامجا لكافة القوى داخل المجتمع السوري، مع طرح أولويات أو اعتبارات لكل طرف في هذه المسألة التي تم التعامل معها بالكثير من التحليل والنقد، حيث تظهر اليوم وكأنه شكل خافت يحاول البعض التخفي خلفه.

ويبدو أن الأزمة في توقيت انطلاق "الإصلاح" لأنه جاء في زمن من الصعب فيه التميز بين العوامل الداخلية والخارجية، رغم أن سورية تحديدا يصعب فيها الفصل داخل السياسة حيث بنت منهجها منذ الاستقلال على امتزاج حاد ما بين السياستين الداخلية والخارجية.

لكن الواضح أن الموضوع الداخلي يشتبك على الأقل في نقطة جوهرية مع السياسة الدولية، فينقسم المجتمع إلى فئتين غير متناسبتين؛ فيشعر البعض أنه عاجز بالمعنى الواقعي للكلمة، لكنه قادر على الامتثال للمخيال الاجتماعي العام ... فهو قادر على الشتم والنميمة والتعامل مع غروره الداخلي في امتلاكه الحلول السحرية سواء كانت من وحي التراث أو من "طاقته" الذاتية في تخيل الأمور.

أما الفئة الثانية فهي تشعر بالعجز أيضا ودون استسلام وافتراقها مع الأولى هي في قدرتها على الترقب والانتظار ... ومن الداخل فإنها تمتاز باطمئنان عام ليس له أي مبرر سوى الوصول إلى معادلة مستحيلة من الاستمرار على نفس اتجاه التفكير مع إيجاد طاقة جديدة.

ضمن "حراك"، أو بالأحرى سكون، هاتين الفئتين تتشكل المعادلة السياسية السورية وتتعامل مع "الإصلاح" الذي يبدو وكأنه منجز حضاري بدلا من تصويب لواقع مهتز ... فيبدو الإصلاح في التشريعات كأسلوب إداري في التعامل مع الحياة ... وتتكون محاربة الفساد المسمرة سلسلة من التحقيقات التي لا تنصف المجتمع لكنها تعاقب المسيء .. وليس دائما مادامت التشريعات هي الصياغة الأساسية لـ"الإصلاح".

العجز هو في الواجهة اليوم ... والاعتراف الاجتماعي بالدرجة الأولى بهذا العجز ليس مسألة نظرية، بل هو إقرار بأن واقعا ثقافيا قائما لم يعد يستطيع تحريك معادلة السكون ... والعجز في الواجهة ليس لمؤسسات الدولة أو لتشريعاتها بل لأسلوب التفكير بالعمل الاجتماعي العام. فالمسألة لم تعد مرتبطة بمطالب سياسية بل أيضا بالتفكير بجدية مثل هذه المطالب أو بقدرتها على كسر مسألة العجز.