قال لـ«الشرق الأوسط»: سورية مستعدة لإرسال سفير إلى بغداد والتعاون لتحقيق الاستقرار كشف مصدر أميركي لـ«الشرق الأوسط»، عن تحرك يقوده تيار من معتدلي الحزب الجمهوري الحاكم وعسكريون متقاعدون للاستعانة بسورية في انقاذ المشروع الأميركي في العراق. واوضح المصدر إن وفدا أميركيا غير رسمي، عاد لتوه من دمشق، حيث اجرى مباحثات مع نخبة من صناع القرار السوريين، تمكن خلالها من الحصول على عرض سوري بتعاون فعال لتحقيق الاستقرار في العراق، مقابل ضمان عروبة العراق وعدم تهديد الاستقرار داخل سورية ذاتها.

وقال المصدر، المقرب من دوائر صنع القرار في واشنطن، إن العرض السوري تضمن الإشارة إلى استعداد دمشق لتسمية سفير سوري في بغداد على الفور، وفتح السفارة إثباتا لحسن النية. وجاء العرض السوري، وفقا للمصدر الأميركي، ردا على اقتراح من التيار المعتدل في الحزب الجمهوري، باتخاذ سورية حليفا استراتيجيا في المنطقة، في حال تنفيذها المطالب الأميركية المعلنة، والمساعدة على استمرار العملية السياسية الجارية في العراق.

وقال المصدر إن الرد السوري كان «كريما ومفصلا» ويصعب على الإدارة الأميركية الحالية رفضه، لأنه «الخيار الأسهل لإنقاذ ماء وجهها في العراق»، كما أنه يتضمن الإشارة إلى قدرة سورية على التعاون الميداني لتحقيق استقرار العراق، جنبا إلى جنب مع القوات الأميركية، في حال تلقي طلب من واشنطن بذلك. واشار الى ان المسؤولين المقربين من الرئاسة السورية، الذين شاركوا في المحادثات الأسبوع الماضي، شددوا على ضرورة التعامل مع السوريين باحترام والحفاظ على الهوية العربية للعراق.

ووفقا لتأكيد المصدر فإن الجانب الأميركي في المحادثات عاد من دمشق محملا بالتفاؤل، ويعكف حاليا على تقديم تقرير الى صناع القرار في واشنطن، يتضمن التوصية بالعمل على كسب دمشق حليفا استراتيجيا في المنطقة، إذا ما وفت بوعودها، والعمل على تنمية سورية اقتصاديا وديمقراطيا، ليصبح المشروع الأميركي في المنطقة مشروعا مزدوجا يشمل سورية والعراق في وقت واحد، من دون الحاجة الى سفك المزيد من الدماء، أو التضحية بأرواح الجنود الأميركيين.

ووفقا لمعلومات «الشرق الأوسط»، فقد التقى الوفد لدى عودته من دمشق بمسؤولة تنفيذية في ادارة الرئيس جورج بوش، متخصصة في الشأن السوري، وقد نشب خلاف بين هذه المسؤولة وممثلي التيار المعتدل، من مدنيين وعسكريين، حيث نقل هؤلاء وجهة النظر السورية المتعلقة بأهمية الحوار البروتوكولي والاتفاقات الواضحة، في حين كررت ممثلة الإدارة المطالب الأميركية المعلنة، مشترطة أن يبدأ الجانب السوري بخطوات عملية على الأرض قبل بدء أي حوار مباشر وليس مجرد إبداء الالتزامات. وأشار أحد المشاركين في الحوار إلى أن الإدارة أبدت رضاها للعرض السوري بإرسال سفير إلى بغداد، وأثارت في الوقت ذاته أهمية إرسال سفير سوري إلى بيروت وفتح سفارة سورية في لبنان، إضافة إلى ترسيم الحدود بين لبنان وسورية والاعتراف بالاستقلال الكامل للبنان، والمساعدة على اقناع الرئيس اللبناني الياس لحود بالاستقالة، وعدم التدخل في اختيار الشعب اللبناني لرئيس جديد. كما دعت الحكومة السورية إلى تنظيم عملية قدوم الشباب العرب إلى دمشق من بلدان معينة وأعمار معينة، بحيث تفرض عليهم الحصول على تأشيرات دخول أو تسجيل عناوينهم في سورية وتشديد الرقابة عليهم للتأكد من عدم توجههم الى العراق. ورفض المصدر الإفصاح عن تفاصيل العرض السوري فيما يتعلق بالقضايا الأخرى، لكنه قال إنه تضمن معالجات لأوضاع الفصائل الفلسطينية في سورية وأوضاع لبنان، علاوة على الاستعداد الكامل لإطلاق الحريات داخل البلاد والقبول بالتعددية وإعادة بناء الدولة بشكل ديمقراطي. وقال المصدر نقلا عن مشارك أميركي في المحادثات، إن السوريين لا يبدو عليهم قلق من نتائج التقرير المرتقب للقاضي الألماني ميليس، بشأن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، وانهم على استعداد لمعاقبة أي متورط سوري محتمل في الجريمة أمام القضاء السوري. واضاف ان أحد المفاوضين السوريين تحدى أية جهة أن تثبت وجود أي عنصر استخبارات سوري داخل لبنان. وقال مسؤول سوري آخر، إن سورية اتخذت خيارا استراتيجيا بعد المؤتمر الأخير لحزب البعث، بالتقارب مع الغرب وعدم استعداء الدول العظمى، وبدء مرحلة البناء الداخلي. ورأى مصدر «الشرق الأوسط» أن التقارب الأميركي السوري إذا ما تم سوف يصب في مصلحة البلدين والشعبين، وسيوفر على الإدارة الأميركية عناء الضغط الداخلي بسبب الأزمة في العراق ويوفر على الحكومة السورية عناء الضغط الخارجي المتصاعد عليها. ونفى مسؤول في الخارجية الأميركية، أن تكون الوزارة على علم بأية محادثات مع الحكومة السورية، لكنه لفت إلى أن السفارة الأميركية في دمشق مفتوحة والدبلوماسيين الأميركيين يؤدون عملهم، وبإمكان السلطات السورية أن تبلغهم بأي تغيير حقيقي في سياساتها، مؤكدا أن أي مسؤول أميركي لم يتحدث عن تغيير النظام في سورية مطلقا، وان كل ما تأمله واشنطن هو «تغيير في السلوك السوري تجاه قضايا محددة يعرفها السوريون جيدا».

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)