في ضوء ما تعلنه من انها غير مشتبه في ضلوعها في اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، بدأت دمشق تعد لحملة مضادة في لبنان عبر تحركات غير معلنة ابرزتها معلومات جهات واسعة الاطلاع تحدثت عن لقاءات بعيدة عن الاضواء عقدها في الاسبوعين المنصرمين الرئيس بشار الاسد مع الرئيس نبيه بري والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله والوزير السابق سليمان فرنجيه، الى وزراء سابقين حلفاء بارزين لسوريا.

وفي لائحة مواعيد الاسد لقاءات متوقعة لرؤساء حكومات ووزراء ونواب سابقين في اطار خطة عنوانها الدفاع عن سوريا في مرحلة ما بعد صدور التقرير النهائي للجنة التحقيق الدولية. وترمي بحسب هذه الجهات الى الحؤول دون ما تعتبره توظيفا للتقرير النهائي للجنة التحقيق الدولية في منحى يرسم مصير المنطقة من جهة ويقود الى ضرب النظام السوري من جهة اخرى.

وتأتي هذه الاجتماعات على هامش اجتماعات مماثلة تعقد في لبنان ايضاً، ومعظمها غير معلن بينها لقاء جمع بري ونصرالله الذي التقى بدوره شخصيات بارزة حليفة لسوريا، ناهيك بتحرك مماثل لفرنجيه في اكثر من اتجاه، وبعض ملامحه اجتماعه امس بالرئيس ميشال عون، من غير ان يعني ذلك ان الاخير شريك في التحركات تلك، بل هو محاولة لجمع القوى التي توجّه انتقادات الى اركان السلطة. ويبدو ان اجتماعات علنية اخرى جمعت نصرالله بالرئيسين سليم الحص وعمر كرامي تدخل بدورها في نطاق مرحلة ما بعد اصدار القاضي الالماني ديتليف ميليس تقريره في 21 تشرين الاول.

ورغم ان لا مؤشرات ظاهرة بعد لفحوى الحملة المضادة، الا ان حلفاء دمشق المعنيين بها يعكسون تبنياً لوجهة نظر القيادة السورية من التقرير المرتقب تتركز على المعطيات الآتية:

-ان القيادة السورية واثقة من ان التقرير النهائي لن يتهم دمشق بالضلوع في اغتيال الرئيس السابق للحكومة اللبنانية. وبسبب هذا الاعتقاد ذهب الاسد الى القاهرة في 25 ايلول الفائت حاملاً معه صنفين من الادلة: خلاصة المحاضر العربية للاستجوابات التي اجراها ميليس وفريقه في سوريا مع 10 مسؤولين امنيين سوريين كبار، ومعلومات ذُكِر انه استقاها من اوساط لجنة التحقيق الدولية في لبنان نسبت الى القاضي الالماني قوله ان لا شبهة على سوريا في الاغتيال.

وحملت هذه المعطيات الرئيس السوري على ارسال موفد خاص الى الرياض لاطلاع المسؤولين السعوديين عليها، متسلحاً بدعم مصر والسعودية الرافضتين عزل سوريا، والقائلتين في الوقت نفسه بالتريث وانتظار التقرير النهائي للجنة التحقيق الدولية.

- تعتقد القيادة السورية ان اي محاولة لـ"تسييس" التقرير النهائي ستحملها على المقاومة والمواجهة، وهي في اي حال لن تقدم على تسليم اي من ضباطها اذا اثيرت "شبهات سياسية" من حولهم. ويتقاطع هذا الموقف مع ما رشح من اوساط لبنانية قريبة الصلة بلجنة التحقيق الدولية من ان هذه ستعلن في التقرير النهائي ان دمشق لم تتعاون تماماً وكما توقعت في اثناء الاستجوابات في دمشق، وان اللجنة ستبدي خيبة حيال هذا الموقف السوري.

- قررت دمشق الاعتماد مجددا على حلفائها اللبنانيين في مرحلة ما بعد صدور التقرير النهائي بغية تصويب التوازن السياسي الداخلي وداخل السلطة خصوصاً. وهو امر يحمل بعض هؤلاء الحلفاء البارزين على توقع مجيء حكومة جديدة في حال اثبت تقرير ميليس ما تدعيه دمشق. ومغزى ذلك ايضاً طي صفحة اسقاط الرئيس اميل لحود بالقوة. علما ان في اوساط هذا الفريق مَن يشيع معلومات عن ارتباك سياسي في صفوف فريق الغالبية الوزارية، معوّلاً على نحو رئيسي على دور لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي يُكثر في اوساطه من انتقاد الدور الاميركي في لبنان، وكان تحدث امام زواره في الايام الاخيرة عن ضرورة استعادة النفوذ العربي في لبنان.

وفي واقع الحال تبدو هذه المواقف على طرف نقيض مما يقول به اركان السلطة، على الاقل بالنسبة الى ما يتوقعونه من تقرير القاضي الالماني. ويتسلح هؤلاء بما يشبه رداً مباشراً على وجهة النظر السورية بان احداً في لبنان لم يدخل الى مطبخ ميليس في تحقيقاته في اغتيال الحريري، بما في ذلك الاجهزة الامنية اللبنانية المعنية بالتنسيق مع لجنة التحقيق الدولية، وكذلك هي حال الجيش المعني بحماية فريق المحققين الدوليين. الامر الذي يعكس واقع ان التناقض السياسي داخل السلطة وخارجها بين الطرفين الباحثين عن الحقيقة، كل وفق ما يريده منها، بدأ يتسع شرخه، وسيكون التوازن السياسي داخل الحكم في اسوأ احواله سواء جُرّمت سوريا أم لا.

وتبعاً لما يقوله مسؤول كبير قريب من عمل لجنة التحقيق الدولية: كلما اقتربت الحقيقة اصبحت في خطر كبير.

مصادر
النهار (لبنان)