رحبت واشنطن بقرار الجامعة العربية رعاية مؤتمر للمصالحة العراقية، الذي جاء باقتراح سعودي، واعتبر الناطق باسم الخارجية الاميركية ان المبادرة العربية للمصالحة «تطور ايجابي»، وقال «ان هذه الخطوة تأتي في الوقت المناسب. ونعتقد ان من المهم القيام بذلك، ليس فقط بالكلام وانما بوجودٍ هناك». التصريحات الاميركية كلها تؤكد ان التحرك العربي الجديد تم بالتنسيق مع واشنطن، بل ان المساندة الاميركية للمبادرة العربية تجاوزت الاقوال الى الافعال، فأبدت الولايات المتحدة استعدادها لتأمين حماية امنية كاملة للامين العام للجامعة العربية خلال زيارته المرتقبة للعراق. فهل ادركت واشنطن انه لا بد من دور عربي في العراق مهما طال الزمن، وان مخاوف الدول العربية من التدخل الايراني ستفرض تدخلاً عربياً في الساحة العراقية مهما كانت الظروف، فرأت ان من مصلحتها مسايرة هذه الرغبة والتنسيق مع اصحابها والاستفادة منها، أم ان هذا الدعم الاميركي للتحرك العربي الجديد تعبير عن شعور واشنطن بحجم ورطتها في العراق وتفردها بالقرارات الخاصة بهذا البلد طوال الفترة الماضية، ام ان الدول العربية استغلت سوء المنقلب الذي آلت اليه العلاقات الاميركية - الايرانية بسبب ملف طهران النووي، فجرى استغلال هذا الظرف لوضع حد للنفوذ الايراني في العراق، فكانت الاستجابة الاميركية من باب لم نأمر بها ولم تسوءنا، فضلاً عن ان ما تقوم به ايران في جنوب العراق لا يتفق بأي حال مع المصلحة الاميركية؟

بصرف النظر عن دوافع اميركا من وراء هذا الموقف، فنحن امام مرحلة جديدة من العمل السياسي العربي حيال العراق . وابرز ملامح هذه المرحلة استبدال اللجنة الوزارية العربية بمؤتمر دول الجوار، والتعامل مع الملف العراقي من خلال الجامعة العربية، وليس من خلال صيغ اقليمية تغيب البعد العربي للمسألة العراقية، وتساوي بين هموم ومصالح العرب في العراق ومصالح غيرهم، ولعل المتابع لمؤتمرات دول الجوار السابقة يتذكر ان الجامعة العربية كانت تدعى كضيف، ان دعيت، واحياناً كثيرة لا تدعى، وقد عبر الامين العام للجامعة عمرو موسى مراراً عن تجاهل دور الجامعة العربية في القضية العراقية، وحذر من خطورة معالجة قضية احتلال العراق خارج المظلة العربية، ناهيك ان الجامعة العربية اقتنعت بدور مشابه لدور منظمة «اليونسكو»، بعد أن جرى عزلها عن الشأن السياسي في هذا البلد، لكن الدور العربية ادركت ولو متأخرة ان العراق قضية عربية في المقام الاول، وان ثمة فرق بين الاهل والجيران، فمصالح الايرانيين والاتراك ليست هي بالضرورة مصالح العرب، الذين لا مصلحة لهم سوى وحدة العراق، وعدم العبث بهويتة العربية والاسلامية، فكان لا بد من الاحتماء بمظلة الجامعة العربية لمنع الاخرين من حضور الاجتماع.

لكن بعضهم يرى ان التحرك العربي الجديد لدعم وحدة العراق، والذي جاء بمبادرة سعودية، سيواجه صعوبات لا تقل عن الصعوبات التى اعاقت العمل العربي المشترك حيال العراق في المرحلة الماضية. ولعل ابرز هذه الصعوبات وجود سورية كطرف في المبادرة الجديدة، التي يبدو ان الحلف المصري - السعودي - السوري هو الذي سيتولى ادارتها من خلال مظلة الجامعة العربية، فسورية تواجه ازمة مع واشنطن والدول الاوربية بسبب القرارين 1559 و1595 ما ترتب عليهما، وربما وجد العرب انهم أمام طلبات اميركية لا تنتهي لتنازلات سورية كبيرة في مقابل مكاسب قليلة على الساحة العراقية، فضلاً عن ان سورية على علاقة استراتيجية بطهران، وقد تجد دمشق ان التحرك العربي في العراق يتعارض مع هذه العلاقة، فينطبق عليها المثل «ويلي منك وويلي عليك».

الاكيد ان وجود سورية في هذه المبادرة احد اهم عوامل نجاحها، بسبب حاجة واشنطن للدور السوري في العراق، وهي حاجة اعلن الاميركيون مراراً اهميتها لهم، فضلاً عن ان موافقة دمشق على الدخول في هذه المبادرة، يذكرنا بموافقتها على المشاركة في حرب تحرير الكويت. في تلك الحرب نجحت الرياض في مقايضة واشنطن ولندن بقرار دمشق دخول الحرب، فعادت العلاقات الغربية مع دمشق، وطويت صفحة الماضي، وربما تنجح المبادرة العربية هذه المرة بمقايضة جديدة لصالح سورية، فيتم بموجبها عدم تسييس تقرير ميليس، واستغلال جريمة اغتيال الحريري سياسياً. الحماسة الاميركية للمبادرة العربية في العراق، تنبئ عن احتمال حدوث صفقة من هذا النوع.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)