صرح المندوب السامي الأمريكي في العراق الأفغاني الأصل زلماي خليل زاد، بأن الولايات المتحدة نفد صبرها مع سوريا، وأن جميع الخيارات مطروحة للتعامل معها بما في ذلك الخيار العسكري. ويأتي هذا الكلام في اطار الضغط الأمريكي المتواصل علي سوريا لاخضاعها ودفعها إلى التسليم بالهيمنة الأمريكية.

مع أن سوريا لم تذنب شيئا بحق الولايات المتحدة، بل كل ذنبها أنها دولة يحكمها حزب البعث الذي يدعو إلى تحقيق الوحدة العربية. وهنا وقعت سوريا في الخطأ،

لأن مفهوم العروبة لم يعد يستقيم مع العصر الأمريكي الجديد بمفاهيمه القائمة على العولمة الرأسمالية والثقافية. وكانت القومية العربية مطلوبة أمريكيا لمحاربة المد الشيوعي الذي كان يجتاح العالم في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. وكان وصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا عام 1963 وفي العراق عام ،1968 بمثابة انتصار للإرادة الأمريكية في صراعها العالمي مع الاتحاد السوفيتي السابق. وعلى الرغم من أن حزب البعث يدعو إلى تحقيق الاشتراكية، فإن النظام في سوريا لم يذهب إلى حد التحالف مع الاتحاد السوفيتي، كما أنه لم يتحالف مع الولايات المتحدة، بل اتخذ لنفسه طريقا وسطا بين هاتين القوتين، وإن كان ميالا للقوة السوفيتية دون الالتحام معها. ولم تكن الولايات المتحدة تنقم من سوريا شيئا، بل إنها باركت خطوتها عندما تدخلت في لبنان عام 1976 بهدف ايقاف الحرب الأهلية التي كانت مستعرة هناك. وعندما غزا العراق الكويت عام ،1990 وقفت سوريا إلى جانب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق، وجنت سوريا من هذا الموقف بأن تم إطلاق يدها في لبنان لتطبيق اتفاق الطائف الذي توصل إليه زعماء الطوائف اللبنانية عام 1989. وظل ينتظر التطبيق، واستطاعت سوريا أن تحقق الأمن والاستقرار في لبنان، وأن تبني فيه نظاما ثابت الأركان، وأثبتت للعالم أجمع أنها كانت جديرة بالثقة التي منحت لها، حيث عاد لبنان ليقف على رجليه سليما معافى. وكانت الولايات المتحدة قد أصبحت قوة عظمى وحيدة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وسعت إلى صياغة العالم أجمع بصورة تتحقق فيها هيمنتها الكاملة عليه. وظهرت نظرية »نهاية التاريخ« للأمريكي الياباني فرنسيس فوكوياما، وهذه النظرية تقول إن الديمقراطية الليبرالية الغربية هي قمة تطور المجتمعات البشرية، وأنه لا يوجد نظام أصلح من الديمقراطية الليبرالية الغربية كي يسود في العالم حتى النهاية.

وكانت الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى قد استطاعت نشر الديمقراطية الغربية في كامل قارة أمريكا باستثناء كوبا وفي أجزاء واسعة من قارتي أفريقيا وآسيا. وكان العالم العربي والإسلامي هو الوحيد الذي لم تصله رياح التغيير الغربية واتخذت الولايات المتحدة من أحداث 11 سبتمبر ،2001 ذريعة للعمل على ادماج العالم العربي والإسلامي في سلامها الكوكبي. لكن ما هي الوسيلة الناجحة لدفع الدول العربية والإسلامية إلي التسليم والانقياد للولايات المتحدة؟. وهنا برز مفهوم »الضربة الاستباقية« التي قد توجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون ضد أية دولة ترفض الإملاءات الغربية بخصوص الديمقراطية والليبرالية. وقررت الولايات المتحدة بموجب مفهوم الضربة الاستباقية، حفر حفرة في الجدار العربي والإسلامي لكي ينهار هذا الجدار. ومن هنا بدأ التجهيز لضرب العراق.

وقد تم اختيار العراق لأنه كان قوة إقليمية كبيرة تخاف منها جميع الدول المحيطة به، خاصة دول الخليج الصغيرة. وكان العراق أيضا يشكل رمزا لمقاومة الهيمنة الأمريكية علي العالم العربي، وكان يدعو إلي تدمير إسرائيل، لا بل إنه كان يتجهز لتحرير فلسطين. وبعملية عسكرية كبيرة اشترك فيها نحو مائة وخمسين ألف جندي أمريكي، ونحو خمسين ألف جندي من بريطانيا ومن غيرها من الدول الأخري تم اجتياح العراق عام 2003 وتدمير نظامه. وبدأت الضغوط الأمريكية ضد سوريا، وهي الدولة العربية الوحيدة التي يحكمها نظام بعثي مماثل لنظام العراق السابق. وكانت الضغوط الأمريكية من البداية تقوم علي أساس اتهام سوريا بأنها ترسل المقاتلين إلي العراق، وأنها تعرقل بناء عراق ديمقراطي ليبرالي جديد. وكان الهدف من وراء هذا الاتهام هو ايجاد ذريعة لتضييق الخناق حول سوريا واظهارها بمظهر الدولة الارهابية في المنطقة العربية واشتركت السلطة الحاكمة في بغداد في هذه الضغوط، فكانت بشكل مستمر توجه الاتهام لسوريا بزعم أنها لا تضبط الحدود، وأنها توفر ملجأ آمنا »للارهابيين العراقيين«. وقامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية وتجارية على سوريا، كما قامت وبالتعاون مع حلفائها في مجلس الأمن »بريطانيا وفرنسا« بإصدار القرار 1559 والقاضي بخروج الجيوش الأجنبية من لبنان، والمقصود هو الجيش السوري. كما قامت وبالتعاون مع حلفائها أيضا بإصدار القرار رقم 1595 والقاضي بتشكيل لجنة دولية للتحقيق باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. وحدد لهذه اللجنة هدف واحد وهو اتهام سوريا بهذه الجريمة.

مصادر
الوفد (مصر)