الى أي حد سيكون باستطاعة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس تطبيق الشعار الذي رفعه: سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد؟ فبعد أكثر من شهر على اجلاء المستوطنين عن غزة وتفكيك المستوطنات اليهودية وانسحاب آخر جندي اسرائيلي من هناك، تبدو الصورة قاتمة ومثيرة للتشاؤم حتى بعد الاعلان الاسرائيلي عن وقف العمليات العسكرية ضد "حماس" و"الجهاد الاسلامي" .

فالصراع على السلطة بين الأفرقاء الفلسطينيين و تحوله الى نزاع مسلح والى فوضى عارمة في الشارع الفلسطيني وسقوط قتلى وجرحى بين عناصر السلطة ومقاتلي "حماس"، كل ذلك وغيره من شأنه ان يفقد تحرير غزة كل دلالاته الايجابية ويفتح الباب على احتمالات تضييع الفرصة على الفلسطينيين لجعل غزة نموذجاً حياً ومتوقداً لكل ما يمكن ان تفعله السلطة الفلسطينية الوطنية لشعبها في مرحلة ما بعد التحرر من الاحتلال.

من الطبيعي الاشارة الى الدور الذي اضطلعت به اسرائيل في التحريض على "حماس" عبر التصريحات المختلفة لزعمائها السياسيين والامنيين وعبر العمليات العسكرية التي قامت بها ضدها. ولكن هذا لا يحجب مسؤولية الحركة أيضاً في فوضى السلاح الناشئة بعد الانسحاب الاسرائيلي من طرف واحد من غزة. بدءاً من حادثة الانفجار في مخيم جباليا في سيارة عسكرية للحركة تنقل ذخائر حية كانت تشارك في عرض عسكري في منطقة مأهولة بالمدنيين مما ادى الى مقتل 19 فلسطينياً وجرح العشرات، مروراً بتحميل الحركة اسرائيل مسؤولية الانفجار واستخدام ذلك ذريعة لقصف المستوطنات المتاخمة لغزة بأكثر من 40 صاروخاً وما استتبع ذلك من تصعيد اسرائيلي مبالغ فيه، الى خطف اسرائيلي ثم الاعلان عن مقتله، ويبدو ان الحركة كانت تخطط لمبادلة المخطوف بأسرى فلسطينيين في السجون الاسرائيلية.

ليس من شك في ان اسرائيل تعتبر حركتي"حماس" و"الجهاد الاسلامي" هدفاً لها في المرحلة المقبلة للصراع مع التنظيمات الفلسطينية المسلحة التي ما زالت ترفض الاعتراف بوجودها وتعتبر نفسها في حالة حرب عليها. وقد بدأت منذ الآن بوضع السيناريوات المختلفة لمواجهة هذا الوضع بعدما اقتنعت بعجز السلطة عن معالجة مسألة سلاح التنظيمات الفلسطينية. فاسرائيل مقتنعة، والايام القليلة الماضية زادتها اقتناعاً ان "حماس" تريد ان تخلق في غزة وضعاً شبيهاً بذلك الذي أوجده "حزب الله" في الجنوب اللبناني بعد الانسحاب الاسرائيلي من هناك في أيار عام 2000. أي تحويل حدود القطاع المتاخمة لإسرائيل الى منطقة عمليات وهجمات وتهديد المستوطنات اليهودية الواقعة داخل الخط الأخضر، وتنفيذ عمليات خطف لإسرائيليين شبيهة بتلك التي قام بها الحزب في منطقة مزارع شبعا من أجل استخدامها كورقة مقايضة لتحرير الأسرى من السجون الاسرائيلية.

فجدول اعمال "حماس" و"الجهاد الاسلامي" يختلف تماماً عن جدول أعمال السلطة الفلسطينية التي تضع في سلم أولوياتها اعادة بناء القطاع اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.ولكن خوف السلطة على مكانتها السياسية وقلقها من تنامي نفوذ الحركات الاسلامية على حسابها، بالاضافة الى ضعف زعامتها السياسية وتفكك أجهزتها الامنية والصراع في ما بينها وعدم تفعيل عملها الى جانب أمراض الفساد المستشري والمحسوبيات، كل ذلك يجعل عملية بناء الحياة السياسية الفلسطينية في غزة عملية محفوفة بالمخاطر و مهددة بالفشل في الظروف القائمة،مما يضيع الفرصة الثمينة التي أتاحها الانسحاب الاسرائيلي من غزة على السلطة الفلسطينية والفلسطينيين عامة.

في المقابل يحصد ارييل شارون الثمار الايجابية لخطة فك الارتباط، ويبدو ان الحلول الأحادية هي عنوان المرحلة المقبلة في السياسة الاسرائيلية.

لقد نجح شارون عبر خطته الانفصال عن غزة في رسم حدود دولة اسرائيل الجنوبية وفي الوقت عينه في خلق اجماع قومي اسرائيلي جديد يدعم فكرة الحلول الأحادية ووضع حد للإحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية من دون التفاوض أو من دون التوصل الى حالة من السلام الدائم. مقابل هذا الاجماع الاسرائيلي الجديد تزداد حال الانقسام والشرذمة الفلسطينية.

مصادر
السفير (لبنان)