أصبح عندنا <<تعيينات>>. بات علينا انتظار <<الأمن>>. الأمن المطلق وهم مطلق. إنه من رابع المستحيلات. ثمة دول شديدة التقدم، وشديدة الاستقرار، تعيش، لعقود، مع هذا التوتر المنخفض. من حق المواطنين وممثليهم محاكمة الجهد المبذول للوقاية. كل ما عدا ذلك ضرب من الديماغوجيا. سوى أن الديماغوجيا هي البضاعة الأكثر رواجاً في لبنان هذه الأيام.

حكّام اليوم، معارضو الأمس، أسرفوا في كلام ديماغوجي بات يرتد عليهم. لقد استسهلوا توجيه الاتهامات (وما زالوا). لم يعرفوا أن تعيين المسؤوليات سلعة قابلة للاستيراد والتصدير. يبيعهم معارضوهم الآن ما <<اشتروه>> منهم بالأمس. ولذا فإن التشهير بالعجز والفشل غير مقنع لأنه يستند، حصراً، إلى أن اختراقاً أمنياً، ولو خطيراً، حصل بدل أن يرتقي إلى محاكمة أوجه التقصير الفعلية، لا بل إلى اقتراح حلول لها.

إن مسيرة الوصول إلى وضع أمني أفضل من الحالي طويلة: النواقص كثيرة في الخبرات والتكنولوجيا والدراية وحسن التصرف وجمع المعلومات وتحديد الأدوار... إلا أن هذه كلها هي الجانب التقني من الموضوع فحسب. ومن غير العادل المسارعة إلى تحميل الأمنيين الحاليين أو الجدد عبء تقصير أو ثغرة طالما أن المشكلة الأمنية الفعلية مشكلة سياسية أصلاً وطالما أن السلطة السياسية لم تحسم أمرها. المشكلة سياسية بمعنى أننا، اليوم، في لبنان، لا نعرف أعداء الوطن والنظام العام والاستقرار. أو بالأحرى لا نعرف تعريف السلطة لهؤلاء ولن يفيدنا في شيء قراءة البيان الوزاري طالما أن لكل وزير قراءته له. إن هذا الوضع هو من طبيعة المرحلة الانتقالية التي نمر فيها والتي تجعل كل طرف سياسي، ولو كان مشاركاً في الحكومة، يرتب الأولويات كما يراها.

لا يفيد إنكار أن هناك، في لبنان، مَن يعتبر المهمة الأمنية الأولى هي المضي في تفكيك الجهاز الأمني المشترك اللبناني السوري، ومطاردة فلوله، وضبط الحدود البرية، والتفتيش في البيئة <<الصديقة>> لسوريا عن المجرمين، والمفجّرين، ومدبري الاغتيالات ومنفذيها. هذه وجهة نافذة في السلطة والمجتمع وتستوجب جدول أعمال أمنياً خاصاً بها.

في المقابل هناك مَن يصر على إعلان أن المصدر الأول للخطر على الأمن اللبناني هو إسرائيل مما يستوجب الاحتماء منها. والتنسيق مع المقاومة. ومطاردة العملاء. ويفترض أن هذه هي، حتى الآن، العقيدة الرسمية للمؤسسة الأمنية اللبنانية وهي العقيدة التي يقع في استطرادها المباشر التنسيق مع القوات المسلحة السورية لا بل مع أجهزة استخباراتها. هذه وجهة متراجعة ولو لم يعلن رسمياً التخلي عنها. نعم لقد تغيّر لبنان ولكن السؤال هو: هل وصل التحوّل إلى حد إعادة النظر الشاملة؟ هل بات في وسع لبنان أن يتصرف وكأنه غير معني، مثلاً، بأمن سوريا كما لو أن إدانتها وقعت أو هي واقعة لا محالة؟ هل بات مطلوباً الخروج من الاتفاقيات الثنائية وبُعدها الأمني الآن؟ هذه أسئلة مشروعة. كما هو مشروع استهجان اللجوء السهل إلى الأجهزة الأمنية الأميركية. اللجوء، في حد ذاته ليس ممنوعاً، ولكن سهولة اللجوء مزعجة. فهي تعبّر عن أن هناك مَن يعيش مناخاً معيناً يجعله يقفز فوق حاجز التحريم بلا تردد. إن الاستعانة بخبرات أجنبية تختلف تماماً عن وضع الولايات المتحدة في رأس قائمة الدول المانحة لمساعدات أمنية. من الطبيعي جداً ألا يرتاح فريق لبناني إلى تعاون أمني مع دولة تعتبر المقاومة إرهاباً وتتصرف وكأن <<حزب الله>> هو <<فريق الدرجة الأولى في الإرهاب العالمي>> كما قال ريتشارد أرميتاج مرة مضيفاً أن <<ثأر دم يفصل بين الحزب والولايات المتحدة>>.

يمكن أن نضيف أن لبنانيين يرون في العامل الفلسطيني الخطر الأمني الأول (من المخيمات إلى <<تدفق السلاح>>)، ويرى غيرهم أن التنظيمات الأصولية والتكفيرية هي هذا الخطر، ويرى غيرهم، ولو همساً، أن شبكات نائمة هي التحدي الأبرز لولعها غير المكتوم بالدفع نحو انهيار عام...

ربما كان لبنان أمام مهمات أمنية متداخلة ولكن تحديد الوجهة العامة، وترتيب الجهد بناء على ذلك، هو قرار سياسي بالدرجة الأولى. لذلك فإن كل دعوة إلى عدم <<تسييس الأمن>> دعوة سخيفة. سخيفة أولاً لأن ألف باء دولة القانون إخضاع الأمن للمؤسسات الديموقراطية، وثانياً لأن من واجب <<السياسة>>، بمعناها النبيل، أن تحدد للأمن وجهته.

القول بأن الأمن، تعريفاً، مسيّس يعني أنه ثمرة نصاب سياسي محدد وأن المعضلة قد تكون هنا وليست في مكان آخر. إذا أخذنا السجالات اللبنانية اللاحقة للتفجيرات الليلية نموذجاً يمكننا أن نسجل الملاحظات التالية:

أولاً هذه التفجيرات إرهابية، إجرامية، بشعة، ترويعية، قاتلة. ولكن يصدف أنها حصلت قبل وبعد التغيير في الأكثرية. وما لاحظناه هو أن الفريق الحاكم يبدو متواضعاً في حين أن الفريق المعارض يقفز فوراً نحو تصفية حسابات. هذه ممارسة رديئة للسياسة.

ثانياً إن المهمة الأولى حيال هذه التفجيرات هي حصر أضرارها تمهيداً لمنعها وتحييد القائمين بها. وحصر الأضرار، في الحالة العيانية، يعني الحؤول دون أن تصبح مقدمة لاستنتاجات حول الأمن الذاتي، وضرورة انصراف كل منطقة أو طائفة، إلى تدبر أمورها. إن النجاح، هنا، فعل سياسي. إن الاغتيالات التي طالت مقاومين من <<حزب الله>> أظهرت خطورة الاختراق الأمني الإسرائيلي من جهة لكنها أظهرت، أيضاً، محدودية هذا الاختراق الذي بدا محروماً من <<بيئة>> تحتضنه. لذلك طالما لم تحدث التفجيرات شرخاً، أو تعمّق شروخاً موجودة، فهذا يعني أن خطرها حقيقي وقابل للضبط. بكلام آخر، الجواب على الخرق الأمني سياسي.

ثالثاً من باب السجال (والمناكفة) مع خفة بعض اللبنانيين، مسؤولين وقادة رأي عام، يمكن طرح الأسئلة التالية: هل يجب أن نتوجه بالشكر إلى المفجّرين لأنهم بذلوا جهداً للاكتفاء بالترويع؟ هل نجرؤ على الاعتراف أنه كان في وسعهم أن يكونوا أكثر لؤماً وإجراماً وأن يتعمّدوا القتل العشوائي الواسع؟ القصد من هذه الأسئلة هو أن المطلوب، ربما، تحضير الرأي العام لموجة جديدة قد تكون أشد وقعاً. ومَن يقل ذلك يقل، حكماً، إن من المستحسن تعزيز منسوب الحماية السياسية في مواجهة أي خرق أمني.

قرأنا، أمس، برهبة شديدة، ما أوردته الزميلة <<الحياة>> في حوارها مع رئيس كتلة <<المستقبل>> سعد الحريري.

سُئل: <<سمعنا أن جهات دولية طلبت منك المكوث في الخارج لأن هناك تهديداً لحياتك؟>>. أجاب: <<نعم، صحيح. هناك جهات دولية قالت ذلك. ولكن هناك أيضاً من قبضنا عليهم وعرفنا أين هم موجودون في لبنان وما الذي يخططون لتنفيذه...>>. سُئل، استطراداً: <<هل تقول إنه تمّ اكتشاف مخطط لاغتيالك؟>>. أجاب: <<لقد توافرت معلومات مؤكدة حول قيام جماعات بالتخطيط لمثل هذه المحاولة>>. نقول <<قرأنا برهبة>> لأن الحريري لا يتحدث عن تهديدات فحسب، وهي تهديدات جدية. يذهب إلى الحديث عن أن هناك مَن هم مقبوض عليهم، وعن مخططين، وعن احتمال محاولة اغتيال...

إذا كانت هذه التصريحات منقولة بدقة فليس أقل من المطالبة بمعرفة <<الحقيقة>>. إن معرفة هذه الحلقة كفيلة بانكشاف السلسلة كلها.

مصادر
السفير (لبنان)