حوارات مستمرة ومثمرة تدور في مجتمعنا السوري وبين أطيافه السياسية والإجتماعية، في محاولات دائبة لإزالة الفوارق الفكرية الملتبسة، والوصول إلى تقاربات وتفاهمات "بالحوار" حول الإختلافات الفكرية الأكبر والتي هدفها في النهاية تحقيق القدر الأكبر من التوافق بين جميع أبناء الطيف السوري، بهدف تعزيز وتمتين الوحدة الوطنية، ومقاومة الإستبداد والهيمنة الداخلية السياسية والإجتماعية، والخارجية الإستعمارية والتآمرية.

ودائمآ يكون للمشكلة الكردية - وليس القضية الكردية - الحضور، إلى جانب مشاكل كثيرة من مشكلات الوطن والمجتمع والفرد. وعمومآ فإن هناك ومن خلال تتبع تلك الحوارات البعيدة عن فكر وعقلية البعض العربي والكردي المنغلق والشوفيني، هناك نقاط إلتقاء ساطعة وإنسجام كبير وتفاهم واسع حول هذه المشكلة والمشكلات الأخرى في الساحة السورية. وأستطيع أن أحدد أهم نقاط التفاهم والإلتقاء والإنسجام بالتالي:

- أن المشكلة الكردية في سوريا هي مشكلة وطنية كغيرها من المشكلات الوطنية الأخرى المتعلقة بمفاهيم : الدولة - المواطنة - القانون - العدالة. وهي أيضآ متعلقة بواقع التقوقع والإستبداد السياسي والمجتمعي، وأن حلها ككثير من المشكلات الوطنية الأخرى ، يكون من خلال حياة ديمقراطية سليمة، مؤسسة على الحرية والوعي والمعرفة والعدل وتقبل الآخر والتنمية المستدامة.

-ان هناك رفض كامل للإعتماد على العامل الخارجي في التأثير على حل المشاكل الوطنية ومنها المشكلة الكردية .

-ان التعصب المدمر بكل أشكاله : لقومية أو لأمة أو لدين، أو لعشيرة أو لطبقة أو لحزب، لهو تعصب قاتل للمفاهيم الإنسانية والقواسم المشتركة والتعايش المشترك وللإنفتاح . وفي المقابل : فإن هناك إلتباس وعدم وضوح يصل إلى حد الإختلاف ، وبالتالي فإنه يعقد المشكلة ولا يساهم في حلها ، ويكون من الواجب إبعاد بعضه طالما أنه لا يشكل فرقآ لجوهر المشكلة . ومن ذلك :

السرد التاريخي :

السرد التاريخي والبحث في الأصول والمنشأ وأصل التسمية إن كانت مشتقة من : كرد بن علي، أو من معنى المحارب الشجاع أو من معنى ساكن القمم المنيعة . وأراه ليس بالهام بعيدآ عن مجرد دراسات تاريخية . إذ ليس له أهمية الآن على الواقع الموجود، وبالتالي فإبعاده عن المشكلة الآن واجب .

مشكلة الجنسية :

وبغض النظر عن العدد السكاني الكردي في الجزيرة السورية التي نزعت عنهم الجنسية السورية، إن كانوا مائة ألف أو ثلاثمائة ألف، فيجب إعادة منح الجنسية لهم ولأبنائهم ونسائهم وأحفادهم، كحق مكتيب لهم . إن نزعها كان بعيدآ عن كل مفاهيم العدل والإنسانية والمواطنية . وليس صحيحآ ما يطرحه البعض من أن هؤلاء منزوعي الجنسية كانوا متسللين من تركيا .

إن الواقع الحقيقي لتلك المشكلة له أبعاد سياسية إستغلالية في عهد مضى .. فعندما تم توزيع أراضي الإصلاح الزراعي على الفلاحين ومنهم فلاحو الجزيرة ، عرب وأكراد عام 1958- 1959 أبان الوحدة السورية - المصرية ، أتى الإنفصال عام 1961 بتكتل عسكري إقطاعي رأسمالي وخارجي . وبوجود الإقطاع وداعميه في سلطة الإنفصال، فقد تم نزع الجنسية السورية عن عدد من أكراد الجزيرة المستفيدين من قوانين الإصلاح الزراعي، بموجب تعداد "مقصود" عام 1962 ، وإستردت الأراضي الموزعة، العائلات الإقطاعية هناك، مع إعادة تسجيل (صوري) لتلك الأراضي بإسم فلاحين عرب موجودين في المنطقة أو تم إسكانهم بها . وهذا الأمر كان من ضمن آليات الإقطاع قديمآ وحديثآ . إذ كان الفلاح في مناطق كثيرة "متنقل" بين إقطاعي وآخر، يمنحه سكن في القرية ضمن ما كان يعرف بمسقفات القرية التي هي ملك للإقطاعي وأرضآ ليستغلها لمصلحته، ويبعده عندما يشاء ويستقدم غيره . إن تسجيل الأراضي الصوري بإسماء فلاحين وأحيانآ لا يكون لهم وجود أصلآ، يسمح ببقاء الإقطاع قائمآ على إستغلالها ، كان أمرآ منتشرآ في المناطق التي يعتبر فيها الإقطاعي أكثر سطوة من غيرها من المناطق . وهذا ما حدث في الجزيرة بل وحدث " عيانآ " في قرى والدي، فأنا هنا أتكلم عن واقع معاش وليس عن قيل وقال .

ومن هنا .. فإن منشأ نزع الجنسية عن الفلاحين الأكراد أصحاب الأرض والعاملين والكادحين فيها، كان بسبب سياسي إستغلالي بإعتبارهم النقطة الأضعف في معادلة آليات الإقطاع . وبالتالي فيجب أن يكون إعادة الجنسية للمواطنين السوريين الأكراد، أمر طبيعي يخرج عن تعقيدات السياسة وحساباتها ، بإعادة الحق والعدل الإنساني والمواطني لهؤلاء .

مشكلة الأحزاب:

وهي مشكلة عامة في الوطن العربي وضمنآ في سوريا . إذ حتى الآن وفي معظم الأحيان "نقدس" إنتماءنا إلى حزب ما، وندافع بحق وبغير حق عن هذا الحزب أو ذاك . وننظر إلى الحزب ( كهدف) في حياتنا ، بدل أن ننظر إليه كوسيلة تكتل لقوى سياسية ما من أجل تحقيق مصالح الوطن بعيدآ عن المصلحة الذاتية بكل أشكالها، ووفق برنامج قد يختلف عليه مع قوى أخرى . إلا أن ( مصلحة الوطن والمواطن ) لا يجب ولا يمكن الإختلاف على ضرورتها وتبديها كأهم ما تعمل له الأحزاب جميعها، مع إختلاف رؤاها للطريق وللوسيلة .

إن ذلك التعصب يظهر جليآ في الأحزاب الإثنية والدينية، ومنها طبعآ "الأحزاب الكردية" . وهذا يخلق شكآ ويعمق التعصب والتعصب المضاد داخل الوطن الواحد . إن الإندماج في الأحزاب يكون دائمآ ومع الوعي بهدف ( معالجة مجمل المشاكل الوطنية ) وكل حسب رؤيته ووسيلته للحل . وليس الإنتساب إليها بهدف معالجة " مشكلة متفردة بحد ذاتها " منتقاة من مجمل المشاكل الوطنية ومعزولة عنها . إن الدعم الذي تحصل عليه المشكلة في طريق حلها يكون أكبر تأثيرآ ويجمع معظم أطياف الوطن ، في حال دمجها في أحزاب القوى الوطنية السياسية، بدون عزلها داخل أحزاب منشؤها هذه المشكلة .

ومن هنا كان التأكيد على مفهوم (الدولة الديمقراطية) وتعميقه ، هو الأنسب بوتقة لمعالجة المشاكل الوطنية، مع مهام أخرى أساسية في حياة المواطن والوطن .

إن الديمقراطية السليمة تتصاعد مع تصاعد مستوى وعي المواطنين وعلاقتهم ببعضهم البعض، وعلاقتهم بمجتمعهم . إذ أن أفراد المجتمع جميعآ يواجهون مصيرآ واحدآ . وكلما تصاعد وزاد الشعور بوحدة المجتمع ، ترسخت "القومية السياسية" و "الدولة الديمقراطية" . لأنه وبدون الشعور بالترابط بين أفراد المجتمع ، تتصدع أسس الديمقراطية وتضطرب وتتزعزع وتتحول في أحسن الأحوال إلى ديمقراطية طوائف وإثنيات وعشائريات، وبالتالي فإن مشاركة الجميع تتطلب وجود هموم مشتركة ومصالح مشتركة، وبالتالي فإن المساواة الديمقراطية يجب أن تؤدي حتمآ إلى إزالة الفوارق الإثنية والدينية، وتمنع سيطرة الأكثرية دينية كانت أو إثنية ، على الأقليات ضمن الوطن الواحد .

إن "المساواة الديمقراطية" في هموم الوطن ومشاكله، هي الحل الأنسب لمحاربة (ديكتاتورية الأكثرية) التي نبه منها كثير من علماء السياسة والإقتصاد والإجتماع.

مشكلة المفاهيم :

إن تطور المجتمعات وإزدياد الوعي والمعرفة، وتطور الحياة الثقافية والسياسية والإقتصادية والعلمية ، يفرض نفسه (لإعادة إنتاج مفاهيم) لمصطلحات تتردد في حياتنا وفي وعينا المستند إلى أحكام سابقة ومسبقة، كان لها دور هام ووجود في زمان مضى . نردد مصطلحات وكلمات بشكل بديهي الآن، وكأنها لا زالت تصلح للإستخدام وللتعبير عن (مفاهيم حديثة وحداثية)، وهذا من أكبر أخطائنا .. تحجر المفاهيم .

وإنني أرى أن هناك مفاهيم كثيرة لا تحصى يجب إعادة إنتاجها . فعلى سبيل المثال: إن كلمة "السماء" كمصطلح ، قد تغير من مفهوم سابق إلى مفهوم جديد حالي بسبب العلوم والوعي . إن مفاهيم كثيرة وعلى أهميتها جميعآ يجب إعادة إنتاجها ، ومنها مفاهيم أساسية يمكن البدء منها:

- مفهوم الدين .

- الدولة .

-المواطنة .

- القومية .

-العالمية .

- مفهوم حق تقرير المصير .

وإن كان هذا المقال لا يتسع، فقد أردت وإرتباطآ بالمشكلة الكردية تناول مفهوم (حق تقرير المصير) الذي يجري تداوله كأمر بديهي نكرره ونلبسه لبوس نريدها أو يريدها غيرنا ، في جميع الأزمان والأماكن .

حق تقرير المصير

إن مبدأ (حق تقرير المصير) مأخوذ من بند (2) المادة (1) في ميثاق الأمم المتحدة الصادر في حزيران عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية وتعديلاته اللاحقة ، والذي يعتبر بإمتياز "ميثاق المنتصرين" في الحرب .

ويقول البند (2) المادة (1):

"إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس إحترام المبدأ الذي يقتضي بالمساواة في الحقوق بين الشعوب ، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها ، وكذلك إتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام"

وفي البند (4) من المادة (1) يقول :

"يمتنع أعضاء الهيئة جميعآ في علاقاتهم الدولية عن التهديد بإستعمال القوة، أو إستخدامها ضد سلامة الأراضي أو الإستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة."

وفي البند (7) من المادة (2) يقول :

"ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق على أن هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع."

تناقضات وإلتباسات وعدم وضوح تترك "للقوي" مجال التفسير والتقرير . فمثلآ :

في البند (2) مادة (1) المذكورة سابقآ : إنماء العلاقات الودية بين الأمم ... والمساواة في الحقوق بين الشعوب ... وأن يكون لكل منها تقرير مصيرها ... وهنا تطرح التساؤلات : ما المقصود بالأمم ؟ وهل هناك أمم أو أمة ليست داخل "إطار سياسي..." الدولة / الأمة ؟ وفي هذا المفهوم فإن الأمم مكونة للدول . و"الدول مصانة " وفق البند (4) من المادة (2). ومصان إستقلالها السياسي . ثم .. ما المقصود بالشعوب المصطلح اللاحق في ذات البند (2) مادة (1)؟ .. يفهم من مجمل البند : الأمم، الشعوب .. أنه يمكن أن يكون هناك شعوب مشكلة للأمة، والأمة في كيانها السياسي / الدولة . ولكن أيضآ : كيف يمكن التحقق من تقرير شعب ما لمصيره بشفافية وبدون تزويرات أو تدليسات أو بدون من يضع نفسه متكلمآ عنه ؟ !! ومن هو الشعب الذي يقرر مصيره؟ ماهي مكوناته؟ هل الشعب هو الذي تجمعه لغة مشتركة ؟ دين مشترك ؟ طائفة مشتركة؟ قبيلة مشتركة ؟ "أصل" إثني مشترك؟ العيش على أرض مشتركة؟ إقليم معين؟

وفي البند (7) مادة (2) هناك منع كامل في التدخل في صميم السلطان الداخلي لأي دولة . وهذا واضح جدآ .. لكن هل نستطيع أن نفهم ما هو " صميم السلطان الداخلي للدولة " ؟ وكذلك وحتى لا يساء الفهم .. فإن : هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع . ما هو الفصل السابع ومتى يطبق؟ يطبق (عندما يقع تهديد للسلم أو وقوع عملآ من أعمال العدوان) . ولكن .. أولآ أن يقرر "مجلس الأمن" ذلك !! إذا كان ذلك حصل أم لا . على أن : (يقدم توصياته لحفظ السلم والأمن الدولي وإعادته إلى نصابه) !! . ويكون إستخدام القوة آخر الخيارات في ميثاق الأمم المتحدة.

مسار زمني طويل لأكثر من ستين عامآ . منذ 1945 وحتى 2005 ، تغيرت ظروف ومعطيات ووقائع ، سياسية وإقتصادية وإجتماعية . لكن ( قانون لعبة الأمم ) لم يتغير أو يتبدل ، ولا زال الأقوياء يتحكمون فيه ويفسرونه بمنطق القوة ومنطق مصالحهم وإراداتهم .

إن ما يؤخذ الآن على ميثاق الأمم المتحدة وما يعيبة :

- القدم وإختلاف الظروف .

- الإحتكار في منطوقاته للأقوياء .

- إلتباسات بنوده مثل : حق تقرير المصير ، الوصاية ، حماية كيانات الدول ، حقوق الإنسان ، إلتباس مفهوم الشعوب .. الخ .

- إستخدامه في العصر الحالي لخدمة مصالح الأقوياء بإفراغه من مضامينه ، والكيل به بمكيالين ، وإحداث التجزئة العالمية مقابل التجمعات .

فعمليات تدمير الدول أصبحت متسارعة منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي بوش الأب بداية " نظام دولي جديد" . غحدى إنعكاساته كما نرى وضع مفهوم الدولة تحت سلطة هذا النظام الأمريكي / الدولي الجديد ، فألغى بندآ اساسيآ من ميثاق الأمم المتحدة إن لم يكن قد نسفه كله . وإن كانت النوايا السيئة كانت موجودة منذ إقرار " الميثاق " الذي جمع تناقضات بنصوصه مثل : مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها من جهة، ومبدأ وحدة وسلامة أراضي الدول من جهة أخرى . فالمصالح الإستعمارية هي التي تقرر الآن .

إن الفكر السياسي العالمي الذي كان سائدآ ، كان يشدد على "ضرورة تحقيق التجانس والإنصهار" كأساس للدولة القومية الناجحة . وبدأت الدراسات الآن والحوارات تدور بين مفهوم (ديمقراطية الدولة الوفاقية) وبين (ديمقراطية الأكثرية في الدولة) حتى أن بعضهم قد سماها (ديمقراطية الغوغاء).

فمصالح القوى العظمى الآن تتحقق " بالتفتيت " . ونستطيع أن نرى حوالي خمسة آلاف جماعة عرقية أو دينية تتحرك بإتجاه تكوين كيانات سياسية / دول، كما - حصرهم الأستاذ نصر الشمالي .

وسابقآ كانت الحروب تحقق الدمج، أما الآن فتؤدي إلى التفكيك . وكما يذكر / باسكال يونيفيس / مدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس، عن دراسات أمريكية معدة لتقسيم الدول وتفتيتها من : الصين، الهند، البرازيل، المكسيك، الوطن العربي ومقدمته العراق، العالم الإسلامي، فإنه يقول أن :

الحافز الأساسي للإنفصال ليس مجرد الدفاع عن هوية مهددة، بل هو حافز مادي بإمتياز. ويستغل ويطرح لتحقيق ذلك مبدأ " الفيدرالية " . ولكن الفيدرالية تعني ( الإتحاد ) ، تعني تجميع الكيانات الصغيرة ضمن كيان واحد أكبر متحد . كالولايات المتحدة الأمريكية ، الإمارات العربية المتحدة، سويسرا ، ألمانيا .. الخ . ولا تعني مطلقآ " تفتيت" وتقسيم الواحد، الوحدة السياسية الواحدة إلى كيانات أصغر . لكن .. يراد لنا أن نفهم العكس ، كما معظم ما يطرح الآن . ونستطيع أن نرى مجريات التفكيك في بلاد مثل : العراق ، السودان ، وقبلهما سنغافورة من إتحاد الملايو ، أندونيسيا الآن بجزرها الثماني عشرة ألفآ، فإلى أين سيقود ذلك؟ . سيقود ووفق (النظام الدولي الأمريكي الجديد) إلى تحكمها بالعالم سياسيآ وإقتصاديآ عن طريق (الدولة / المدينة) . ولديها هونغ كونغ مثلآ على نجاح نظرياتها للنظام العالمي العولمي الجديد .

وكذلك وعلى سبيل المثال لا الحصر ، حول إلتباس مبدأ "حق تقرير المصير" والكيل بمكيالين فيه ، المقارنة بين:

- حق تقرير المصير لسكان ساراييفو ضد حق الصرب في وطن قومي لهم .

- حق تقرير المصير لأكراد العراق ضد حق تقرير المصير لشعب الشيشان .

- حق تقرير المصير لجنوب السودان ضد حق تقرير المصير لشعب إيرلندا .

إن إزدواجية وإلتباس حق تقرير المصير أدى إلى فشل في تحديد الأنموذج والتطبيق العملي العالمي له . ومن فشله ، فإن الفكر السياسي العالمي المهيمن، يتجه لموازنة الخلل من خلال طرح فكرة (المجتمع المدني ) وفكرة ( حقوق الإنسان ) والتركيز عليهما . ويراد .. إستخدام هاتين الفكرتين العظيمتين على المستوى الإنساني والمساواة في الحقوق والواجبات وصيانة الفرد والمجتمع من التحكم والإستبداد والإلغاء، لإستخدامهما في سد الثغرات، وإستخدامهما

(لتحسين الصورة العولمية ، وإدارة حملة علاقات عامة) .. كيف ذلك ؟؟

إن الصراع كان دائرى بين فكرة (مصالح المجتمع قبل مصلحة الفرد) ، وبين فكرة (رغبات الأفراد تعبر عن رغبات المجتمع) . وكان هذا متلائمآ مع نزعة السوق الليبرالية . وطالما أن اليسار وكاشفي عيوب الليبرالية كمبدأ إقتصادي إجتماعي ، قد أوصلوا معظم شعوب العالم إلى عدم تقبل "الليبرالية" عندما تحولت إلى رأسمالية متوحشة، بدأ بطرح الحقوق الإنسانية من (حقوق الإنسان) إلى (حق تقرير المصير)، كحقوق " قيمية " في حد ذاتها منفصلة أو مستقلة عن مستوى المعيشة أو الإحتكار أو النظام السياسي، وهي "كقيمة" غير قابلة للمصادرة والرفض من قبل اليسار والمدافعين عن مصلحة الفرد والمجتمع ضد الهيمنة والإستغلال والإحتكار .

ونستطيع أن نقرر أنه مع عظمة فكرة حقوق الإنسان وحق تقرير المصير للأمة / الدولة، أو الشعوب التي لا تنضوي في كيان سياسي ، فهاتان الفكرتان لا تخلوان من "خداع" بإعتبارهما أفكار (مطاطة) ويكون (الإستخدام) هو المعيار الوحيد للحكم عليهما بين جودة إستخدامهما أو سوئها .

وكما أن "مبدأ حق تقرير المصير" قد مزق كيانات عديدة إلى شراذم محلية أو طائفية أو عرقية ، فإن "مبدأ حقوق الإنسان" قد أصبح أداة بيد المحتكرين للسوق العالمية لتقويض الكيانات الأصغر . وفي كل مرة تثار فيها حقوق الإنسان ، فإنها تطرح معها تساؤلات منها:

-هل هذه الدعوة للحقوق تخفي إرادة جبارة يصعب مقاومة شموليتها؟

-أو هي غستمرارية للإستعمار بوسائل أخرى

- أو هي أسلحة بيد الغرب الذكي للإطاحة بكل ممانعة؟ وحتى بثقافات الشعوب؟ خاصة أن

(القيم) التي تنادي بها "حقوق الإنسان" بمفهومها الغربي، ليست هي (ذات القيم) التي تنادي بها الثقافات الأخرى .

وبالتالي فلنا أن نتساءل : إلى أي حد يمكن الذهاب في عولمة هذه "الحقوق" دون الإصطدام بدفاع الثقافات الأخرى عن نفسها؟ ولا بد وبشكل متوازن .. من التساؤل عن ( حق الدولة ) - أي دولة - في التدخل في هذه الحقوق، وينطبق هذا التساؤل على المواطنين في علاقتهم بدولهم، كما ينطبق على الدول المحلية والصغيرة في علاقاتها مع الدول الخارجية الأكثر قوة وقدرة على التدخل .

ثم أن هذه الحقوق وبما تثيره من موضوع (السيادة الوطنية)، فإلى أي حد ستبقى هذه السيادة مقدسة، وأين تبدأ وأين تتوقف؟ وكيف يمكن معالجة هذه "السيادة " إذا كانت معطلة للديمقراطية وحقوق الإنسان ؟

وأخيراً ... فلقد قمت بالبحث وبكل جهدي ، في محاولة للعثور على الفقرة التي (سقطت سهواً) !! من ميثاق الأمم المتحدة وملاحقه وتعديلاته، والتي تقول:

"اننا منظمة الأمم المتحدة، قد وكلنا وأنبنا الولايات المتحدة الأمريكية، بإتخاذ ما يلزم وبكل الطرق والوسائل المشروعة وغير المشروعة، لتحقيق مصالحها في العالم . لأن تحقيق تلك المصالح هو تحقيق لمصالح العالم أجمع . ولا يجوز ولا يقبل إعتراض أي دولة - ما عدا إسرائيل - على الخطوات والقرارات الأمريكية . ولقد قررنا وبالتشاور مع الدول الغربية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، بإعتبار الوطن العربي خصوصآ ، والشرق الأوسط عموماً، هو المجال الأمثل للبدء في تحقيق المصالح الأمريكية. وأن جميع القرارات التي تصدر لصالح أمور وشعوب ودول ذلك المجال، هي إرضاء نفسي وتنفيسي ولا يمكن أن تنفذ بإعتبارها تتعارض مع المصالح الأمريكية . إننا قد منحنا "الشعب الفلسطيني" حق تقرير مصيره، عسى أن يتجاوز وينسى إقتلاعه من وطنه، وينسى أنه أبعد عن أرضه لإحلال شعوب أخرى مكانه، وينسى أنه الشعب الوحيد في العالم الرازح تحت الإحتلال والتهجير والإبعاد، وبذلك نضمن الأمن والسلم العالمي."

لكن .. لم أجدها .. وتذكرت قول هتلر الذي تتبناه الآن أمريكا..." ان جميع المعاهدات والمواثيق يمكن أن تداس بجنازير الدبابات ".

مصادر
كنعان أون لاين (الولايات المتحدة)