قدمت التجربة الأميركية في العراق، عندما قررت واشنطن تغيير النظام العراقي بالقوة عن طريق الاحتلال العسكري وزرع حلفاء لها بالسلطة، نقول قدمت مثالا سيئا لم يأت إلا بقليل من الديموقراطية «الطائفية والإثنية» لكن مع كثير من الدم ونمو التنظيمات الراديكالية الاسلامية المتطرفة، وكان من شأن ذلك، بعد مضي أكثر من عامين، أن يساهم في الحد من تطلعات الكثير من قوى المعارضة العربية التي باركت الخطوة الأميركية في بدايتها على خلفية يأسها من حصول التغيير الديموقراطي في ظل نظام ديكتاتوري عربي مثّل صدام حسين أحد أبرز نماذجه.

اليوم تغير كل شيء، إذ صار المثقفون والمعارضون لأنظمتهم سواء كانوا في الداخل أم في الخارج، يعلنون بصراحة أنهم ضد التغيير عن طريق القوة، وعن طريق التدخل الخارجي، لقد راعهم ما حصل ويحصل في العراق، وتأكد مع الوقت دقة وضرورة الرأي القائل بأن التغيير يجب أن تنهض به قوى داخلية حتى لو أخذ زمنا طويلا، فالاستقرار والسلام الداخلي مع قلة الحريات في ظل نظام غير ديموقراطي، أفضل بكثير من الاحتلال العسكري والفوضى والحرب الاهلية والتقسيم والقتل الاعمى.

النموذج العراقي اليوم جعل دولا كثيرة تقف على مسافة من الطموحات الاميركية للتغيير في المنطقة، فبدل أن يقدم هذا النموذج أملا للشعوب المجاورة التي ترزح تحت أنظمة غير ديموقراطية، تحول الى كابوس لا أحد يتمناه ويرغبه، وبدلا من أن يعمل الاحتلال على الحد من الارهاب، زادت العمليات الارهابية في العراق ووصلت الى دول كثيرة وبعيدة عن العراق، وكل يوم ينضم المئات من المحبطين، الذين لم تقدم لهم الولايات المتحدة سوى الكلام والوعود المعسولة، الى التنظيمات الاسلامية المتطرفة ويجدون فيها فرصة ومجالا للتعبير بطريقتهم عن احباطاتهم ومعارضتهم للوجود الأميركي في المنطقة. هذه اللوحة العراقية الكالحة كان من شأنها أن تثير مخاوف الكثير من الدول المجاورة للعراق، مخاوف من أن يمتد اليها العنف الذي صار جزءا أساسيا من الحياة اليومية للعراقيين، ومخاوف من نمو النعرات الطائفية ومخاوف أخرى على السيادة والوحدة، ولعل النقد السعودي المعلن للتدخلات الايرانية في العراق هو من أكثر الأمثلة دلالة على الحنق مما فعلته الولايات المتحدة في العراق. ليست السعودية فقط من عبرت عن مخاوف وهواجس معينة، إن الكثير من الدول المجاورة للعراق عبرت عن شيء مماثل لعل في مقدمها سورية، صحيح أنها لم تتحدث عن دور ايراني وطموحات فارسية في العراق، لكنها منذ بداية الاحتلال الأميركي للعراق وحتى اليوم ما زالت تخشى على العراق من التقسيم والحرب الاهلية وغياب السيادة, ولا نبالغ إذا قلنا أن الاستقرار الاقليمي صار اليوم مصلحة إسرائيلية في ظل النمو المتزايد للحركات والجماعات الاسلامية المتطرفة, لقد فتح الاحتلال الأميركي عش الدبابير ولم يستطع إغلاقه.

واليوم ومع المصير الغامض لنتائج التحقيق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، لناحية توجيه تهمة ما الى سورية أو تبرئتها، يبدو أن النموذج العراقي السيئ سيفرض أجندته على القول النهائي الحاسم في هذه الجريمة، صحيح أن لغطا كبيرا رافق الجريمة لناحية اتهام سورية، لكن يجب أن ننتبه الى تقارير ومعلومات و«تسريبات» تقول إن ديتليف ميليس رئيس لجنة التحقيق في الجريمة لم يتوصل، بعد مضي نحو اربعة أشهر من بدء مهمته، الى أدلة جرمية حاسمة تدين دمشق، ويجب أن ننتبه جيدا الى الاصرار السوري على نكران الاتهامات، كذلك يجب أن ننتبه الى مواقف بعض الدول العربية المؤثرة التي تحدثت عن معارضتها لعزل سورية وحرصها على استقرارها.

إن ذلك كله يقود الى القول إن المدخل الذي كانت قررته الولايات المتحدة للتغيير في سورية من بوابة جريمة اغتيال الحريري بات يلقى معارضة ويواجه صعوبات كبيرة، وما الحديث عن تسييس للنتائج إلا تعبير عن رفض زعزعة استقرار النظام في دمشق من خلال اتهامها بجريمة ما زالت الى اليوم لغزا شائكا.

اللافت أن استقرار سورية، بالطبع بعد ما حصل في العراق ويحصل، لم يعد حاجة عربية فقط، بل بات اليوم ويا للمفارقة، حاجة اسرائيلية ايضا، اذ راع الاسرائليون ما يحصل في العراق وخصوصا لناحية صعود المزيد من قوى التطرف , وإذ كشفت صحيفة «هآرتز» الاسرائيلية منذ ايام عن لقاء جرى بين مسؤولين اميركيين و«نظرائهم الاسرائيليين » تحدثوا خلاله عن الأوضاع في سورية ، حيث قال مسؤول حكومي إسرائيلي بأن بلاده تتوقع ان تتسبب نتائج التحقيق في عملية اغتيال رفيق الحريري في ارباكات شديدة لسورية وتضع الرئيس بشار الاسد في موقع صعب ».

ونقل المسؤولون الاميركيون بحسب الصحيفة انطباعهم بأن اسرائيل تفضل بقاء الرئيس الاسد في السلطة وهي «غير متحمسة لاحتمال التغيير في سورية ».

ووفقا للصحيفة فإن «التغيير من شأنه فقط ان يدفع سورية لتبني المزيد من السياسات المتطرفة».

إذا كانت إسرائيل قلقة و«حريصة» على استقرار النظام في دمشق فهذا بحد ذاته مؤشر لحجم الفوضى الاقليمية التي ستعم المنطقة فيما لو ارتكبت الولايات المتحدة حماقة ما تجاه دمشق. إن أميركا الملتاعة والغاطسة في المستنقع العراقي عليها أن تأخذ كل الهواجس الاقليمية بعين الاعتبار, ثم ما زال النظام قويا في دمشق على عكس ما يعتقده الكثيرون.

مصادر
الرأي العام (الكويت)