قبل أقل من عشرة شهور، بدا ديسمبر وكأنه طوق نجاة لنخبة مستبسلة غير يائسة، بعد مخاض تصورت انه انتهى• ورغم أن إعلان بروكسل في السابع عشر من ذلك الشهر كان واضحا وضوح الشمس في أن قرار بدء المفاوضات مع أنقرة لا يعني البتة قبول العاصمة المستميتة على طلب العضوية، أو وعدا بأنها باتت على مشارف عضوية الاتحاد الأوروبي، إلا أن الفرحة طغت راسمة على وجوه نواب وأعضاء العدالة والتنمية ارتياحا وإحساسا بالنصر ولما لا؟ أليس هم أصحاب الفرح بيد أنهم لم ينتظروا وصول ’’فاتح’’ الاتحاد الأوروبي للعاصمة فزحفوا أفواجا إلى مطار أتاتورك باسطنبول ليستقبلوا رئيسهم الطيب رجب اردوغان العائد يحمل موعد بدء المفاوضات• ويبدو أن أحدا لم يتذكر الفرحة نفسها التي انطلقت قبل ست سنوات تقريبا مع قرار قمة هلسنكي والذي ذهب إلى قبول تركيا كدولة مرشحة لعضوية النادي الأوروبي، آنذاك كان بولنت اجيفيت على رأس حكومة ائتلافية شركاؤها متنافرون لكنهم جميعا كادت الفرحة أن تصل بهم إلى عنان السماء• السعادة هذه سرعان ما تراجعت مع الشروط الجديدة المضافة• وقد يعود السبب إلى أن النخبة ومريدها لا يريدون أي تصور يذهب إلى أن بلادهم لن ترى الاتحاد الأوروبي•

أيام الصبر•• وساعة الحسم

ها هو نفس الشيء يتكرر مع الأيام والساعات الفاصلة والحاسمة التي سبقت لقاء وزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي في لكسمبورج يوم الاثنين الماضي• فلا حديث سوى هذا الموضوع• فيكفي نظرة واحدة على الصحف التركية، كبيرة أم صغيرة، نافذة أم هامشية، يتأكد للمتابع المعايش أن تركيا بكافة أرجائها كانت تنتظر ساعة الخلاص، الأنفاس محبوسة والأنظار متجهة إلى لكسمبورج• صحيح قد يكون ساكنو الأناضول في الأقاليم والقرى المترامية والساكنة أحضان الهضاب والتلال قد ضاقوا ذرعا بالمماطلة التي لم يعد لها ما يبررها إلا أنهم يريدون حسما ورأيا قاطعا فإما نعم وإما لا• القنوات المرئية كانت هي الأخرى مع الحدث المنتظر: فقناة تنقل فقرات مطولة من حديث وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، وفيها قال ’’إن تركيا وخلال مسيرتها الأوروبية يمكن أن تستكمل معايير الاتحاد واستشهد بذلك بالبرتغال’’• ولم تنس القناة نفسها أن تذكر الرأي العام ما سبق وطالب به رئيس الحكومة البرتغالية السابق خوسيه مانويل باروزو ـ والذي يتولى الآن رئاسة المفوضية الأوروبية ـ بضرورة قيام تركيا أولا وقبل أي شئ بتنفيذ جميع الشروط والمعايير! ولأن بروكسل نفسها شبه منقسمة حيال الملف التركي، نقلت القناة صيحة ’’خافيير سولانا’’ التحذيرية ’’من مخاطر انعدام توافر مرفأ لتركيا’’•

وقناة ثانية تستشهد بالصحيفة الإنجليزية الاندبندنت وقولها ’’من الضروري على أوروبا أن تستقبل جارتها المسلمة الكبيرة بالأحضان’’ وانتقت قناة ثالثة من الصحف الألمانية صحيفة دي فيلت والتي وصفت الساعات الفاصلة بأنها أشبه بالحبال المشدودة فإعلان الموعد يعني الحديث عن مؤهلات تركيا وليس موعد انضمامها كما أن المباحثات المحتملة والتي قد تبدأ في بروكسل ستكون مفتوحة ولا يمكن استباق نتائجها هذا ما قالته المتحدثة باسم المفوضية وأضافت متوعدة أنه في حال إقرار موعد المفاوضات فهذا لا يعني الاستمرار بمعنى أن تجميد هذه المفاوضات أمر وارد جدا في حال رأت أوروبا أي نكوص في الإصلاحات• وحتى يكون مشهد أوروبا كاملا أمام الرأي العام نقلت شبكات التليفزيون بعض المظاهرات الصامتة• الرافضة لدخول تركيا في الاتحاد الأوروبي مثل تظاهرة لبعض النمساويين الذين رفعوا شعار ’’من أجل ألا تتحول فيينا إلى اسطنبول في قلب القارة الأوروبية’’

كذلك قول مسؤول ديني ’’الحرية الدينية مكرسة في الدستور التركي لا في الواقع• وبين المؤيد والمعارض أفردت وسائل الإعلام المواقف الوسطية مثل ما قاله شرودر بضرورة إحداث تحول في الذهنية التركية• كل هذا كان يعني أن ثمة أزمة عاتية تعترض انطلاق الموعد وتهديد تركي واضح بعدم الحضور ومع الشد والجذب ظهر ضوء في الأفق•• الحاضر أهم ’’يوم جديد لا ينسى’’ عبارة قالها الطيب رجب اردوغان، لحظة إعلان وثيقة انطلاق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي• والحق أن تركيا، واعتبارا من الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي يوم الاثنين الماضي، عاشت لحظات غير مسبوقة في تاريخها الجمهوري• صحيح أن النتيجة التي توصل إليها وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي ربما كانت متوقعة إلا أنها أظهرت بشكل واضح أن الحاضر يمكن، على الأقل مؤقتا، أن ينحي الماضي جانبا من أجل تعظيم مصالح المستقبل•

بيد أن الميديا التركية باختلاف وسائلها بدت مندهشة من السلوك الرومي ـ نسبة إلى قبرص الجنوبية حسب التوصيف التركي ـ الذي أبدى مرونة غير منتظرة بشأن ضرورة انضمام أنقرة إلى النادي الأوروبي، والدهشة المقرونة بالإعجاب لن تتوقف فاليونان نفسها عدوة الأمس التاريخية لم تكن معرقلا بل اعتبرت الموقف النمساوي مبالغا فيه وغير مبرر خاصة مع التنازلات التي قدمتها وريثة الإمبراطورية العثمانية• أثينا وقبرص إذن رأتا أن إبعاد أنقرة عن عضوية الاتحاد سيزيد من تعقيد الأوضاع في شرق المتوسط والجزيرة المقسمة قد تبقى في حالة اللا حل•

الأرمن القديم -الجديد

عندما يكون هناك أمل هنا يمكن للكثير من القضايا أن تجد حلا متوازنا وعادلا في نفس الوقت، فقبرص المقسمة يمكن أن تجد حلا خاصة وأن أنقرة ومعها الشمال القبرصي التركي سبقا أيدا خطة كوفي عنان الرامية لتوحيد الجزيرة غير أن الجانب القبرصي اليوناني هو الذي رفض• ورغم ذلك قد تذهب العاصمة التركية إلى مدى أبعد بمعنى أنها ربما تؤيد تعديلات على الخطة شريطة موافقة القبارصة الأتراك في شمال الجزيرة• وكل الشواهد تشير إلى أن القيادة الجديدة في هذا الجزء الذي يشكل ثلث الجزيرة على استعداد للتفاوض• في السياق ذاته تأتي قضية الأرمن وهي واحدة من المعضلات العبثية التي تلقي بظلالها الكثيفة ليس على علاقة تركيا بأرمينيا المجاورة بل على وضع القوقاز عامة وصورة الأناضول لدى العالم• صحيح أن تركيا النخبوية من الصعب عليها الاعتراف بمذابح الأرمن ورغم ذلك صارت تبدي مرونة للنقاش حول تلك المعضلة• في مايو الماضي وتحديدا في الخامس والعشرين منه كان يفترض أن يعقد اجتماع أو لقاء علني يناقش قضية الأرمن ثم تأجل لحساسيات سياسية لم يستطع المنظمون تجاوزها مع ملاحظة أن وزير الخارجية التركي عبد الله جول أبدى استعداده للحضور والمشاركة•

لكن هذا التحرك النخبوى في النهاية محدد بسقف من الصعب تخطيه فالأوضاع الاجتماعية في الشارع التركي ليست على استعداد لتقبل مزاعم الأرمن بيد أن مجرد النقاش دفع بالقوميين الموصومين باليمين المتطرف الذين بدأوا في العودة إلى الساحة السياسية إلى تنظيم احتجاجات واسعة ضد أي خطوة حكومية محتملة تساير مطالب الأرمن ولعل موجة الغضب العارمة ضد الروائي التركي الشهير اورهان باموك خير مثال على ذلك والسبب أن الأخير طالب بالاعتراف بالمذابح التي استهدفت الأرمن في مستهل الحرب العالمية الأولى• وتلك إشارات بالغة الدلالة وعلى أوروبا أن تستوعبها وتتعامل معها فالضغوط على صناع القرار في العاصمة أنقرة يمكن أن يقابله تنامي النزعات اليمينية في صورتها الطورانية المتطرفة وهذا هو الحاصل الآن فالأمر معقد للغاية نظرا لتعقد المعضلة ذاتها• من هنا فالرهان سيكون على الزمن والقدرة على إحداث تغير في الذهنيات تمهيدا للتوصل إلى نقطة التقاء•

إن إطلاق بدء المفاوضات مع تركيا رغم ما تحمله وثيقة لكسمبورج من ظلال وقيود يعتبر نقلة نوعية للأناضول وأوروبا معا• فعلى المستوى الثقافي ـ وعلى حد تعبير جيم هولاند في الواشنطن بوست ـ أثبتت علمانية تركيا أن تعزيز القدرة والحرية الشخصية في الإسلام اكثر فائدة ونفعا من المهام القتالية•

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)