ما أن يشرع مؤرخو المستقبل في تدوين تاريخ الغزو الأميركي للعراق، حتى يوجه هؤلاء المؤرخون أسئلة على درجة من الأهمية، لكل من الرئيس بوش ونظيره العراقي السابق صدام حسين• وفيما أرى فإن السؤال الموجه لصدام حسين سيكون التالي: بماذا كنت تفكر حينها••• فإذا كنت تراهن على بقاء ومستقبل رئاستك، بمدى النجاح الذي تحققه في العراق، فلماذا سمحت لدونالد رامسفيلد باجتياح بلادك هكذا، بذلك العدد الضئيل المحدود من الجنود؟ ولماذا فرطت في بسط واستتباب الأمن داخل العراق، وفي حدوده المشتركة مع دول الجوار؟ ولماذا لم تفكر يوماً في انكشاف ظهرك وسهولة تعرض بلادك للغزو؟ أتعلمون أين نعثر على إجابة لكل هذه الأسئلة مجتمعة؟ ليست الإجابة عند صدام، وإنما هي كامنة في الفشل المريع الذي منيت به وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وإدارة بوش في العراق• والأدهى والأمرّ أن هذا الفشل لم تكن له علاقة البتة، بأسلحة الدمار الشامل• ولكي لا يبدو حديثي ملغزاً وملتبساً، دعوني أوضح لكم ما أعنيه• كنت أثناء زيارتي لميناء أم قصر الأسبوع الماضي، قد أمضيت صباح يوم كامل، في مراقبة اجتماع لقادة البحرية العراقية، بحضور الخبراء والقادة البريطانيين والأميركيين• وكل من يتابع ذلك الاجتماع، يخرج بانطباعين جد متضاربين ومتناقضين• فمن ناحية تشعر وكأن الضباط والقادة العراقيين قد أتقنوا وراثة الخبرة والمهنة من مدربيهم البريطانيين والأميركيين• لكن وفي ذات الوقت، ينتابك شعور آخر بأن سلاح البحرية العراقي كله، آيل للانهيار غداً، ما أن يبرح الخبراء والاستشاريون الأجانب أرض العراق! والسبب هو ما يبدو لك من ضعف ووهن في نوعية الكفاءة القيادية التي أدير بها الاجتماع العراقي• والأهم من ذلك أن العراق لا يزال يفتقر إلى عاملين رئيسيين لا غنى عنهما، هما رأس المال البشري، والقاعدة المؤسسية التي لم تكن يوماً هناك• تأكيداً لهذه الحقيقة قال لي مدرب بريطاني مستنكراً: كيف استطاع هؤلاء، الصمود في مواجهة الإيرانيين طوال ثماني سنوات بالتمام والكمال؟!

وما أن فرغنا من ذلك الاجتماع حتى اقترح علىّ مرافقي من القوات البحرية البريطانية، الذهاب لزيارة سوق البصرة• وقال لي إن بوسعي العثور على أي شيء أبحث عنه في ذلك السوق، بسبب أن العراقيين ما تركوا شيئاً في بيوتهم، إلا وحملوه إلى السوق، من المعدات والأواني المنزلية، إلى أجهزة الراديو ومسجلات الصوت، إلى الثلاجات ومكيفات الهواء، فالسيارات••• وكل شيء باختصار، كي يبيعوه ليتمكنوا من مغالبة العيش ومصاعب الحياة، خلال العقد الأخير من عهد صدام حسين•

ومن هنا فإن ثمة رسالة لابد أن أبعث بها من ذلك السوق: صحيح أن فشل استخباراتنا في العثور على أسلحة الدمار الشامل، لا يزال خيبة كبيرة لا تغتفر• ولكن الخيبة الأكبر منها بما لا يقاس -وهي التي تفسر كل المشكلات والمأزق الذي نغوص فيه في العراق الآن- هي فشلنا في العثور على حطام المجتمع والاقتصاد والمؤسسات العراقية القائمة وقتئذ! وقد نجم ذلك الحطام عن الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت لثماني سنوات، تلتها تلك الهزيمة الماحقة التي مني بها العراق في حرب الخليج الثانية، ثم عقد كامل من العقوبات الدولية التي فرضت عليه• وفي اعتقادي أن صدام حسين كان على علم تام بمكامن الضعف والإفلاس والوهن في بلاده• ولهذا السبب فقد كان حريصاً كل الحرص، على تكريس انطباع كاذب بحيازة نظامه لأسلحة الدمار الشامل• أكثر من ذلك، فقد كان صدام يربض في عرين، تحيطه الذئاب والضباع من كل جانب• ولذلك فقد كان مدركاً لما يمثله وهم أسلحة الدمار الشامل من أداة سحرية رادعة لجيرانه ولأعدائه في الداخل وفي الغرب أيضاً• يذكر أن تقرير ’’دويفلر’’ حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، قد أشار إشارة خفية إلى هذا الإيهام المقصود والمتعمد من قبل صدام حسين• وعليه فلم يكن غريباً أن يسمح صدام بما يكفي لعمليات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بتبرئة ساحته من حيازة تلك الأسلحة، في ذات الوقت الذي يواصل فيه ’’لعبة القط والفأر’’ مع الأمم المتحدة، بما يعزز لديها شعوراً خفياً غامضاً، بوجود أسلحة فتاكة هناك• وكما قلت سابقاً، فإن إخفاق إدارة بوش ووكالة المخابرات المركزية الأميركة، لا يقتصر على الفشل في تبديد هذه الأكذوبة العراقية فحسب، وإنما يكمن الفشل كله، في اكتشاف كم كان المجتمع والاقتصاد العراقي محطمين حينئذ• ولما كانت إدارة بوش قد أعطت أذنيها لعراقيي المنفى، ممن تقطعت بهم سبل التواصل والاحتكاك بالواقع العراقي لعدة سنوات، فقد توهمت هي الأخرى أن هناك من المؤسسات وأفراد الطبقة الوسطى العراقية، أكثر مما هو قائم بالفعل• وبسبب سوء التقدير ذاك، فقد خيل لإدارة بوش أن مرحلة ما بعد الغزو ستكون سهلة وسلسة• وإن لم تكن تلك التقديرات قد بنيت على سراب الأوهام، فكيف لنا أن نفسر سلوكه وتصوراته لعراق ما بعد صدام، بكل ما يعج به هذا العراق من تعقيدات ومصاعب جمة؟ والذي حدث هو أن ما تبقى من دولة عراقية تكاد لا تذكر، قد انهار على يدينا لحظة الغزو، مثلما تتحطم مزهرية من الرخام الرقيق عندما تلقي بها على البلاط! وعليه فإن ما ينتظر أميركا ليس مجرد إعادة بناء، إنما خلق دولة كاملة بمؤسساتها من العدم•

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)