جلسة أمنية للمجلس الوزاري انتهت إلى تعيينات. ثم جلسة أمنية لمجلس النواب انتهت إلى بيان معد سلفاً ألقاه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة. أحسن السنيورة وصف المرحلة التي يعيشها لبنان. <<إن الظرف استثنائي>> قال، مضيفاً <<إن الجرائم السياسية الحاصلة استثنائية>> لأن الذي نواجهه <<عدو إرهابي ما كانت البلاد مستعدة له>>. ففي رأي الحكومة، إذاً، أننا في مرحلة انتقالية إذ إننا <<خرجنا من الأمن الممسوك والأمن المستعار>> وهو أمن دفعنا مقابله <<سيطرة النظام الأمني على الحياة السياسية والإفساد المتزايد للحياة الاقتصادية وكذلك التعرض لحريات الناس وكراماتهم. وعندما بدأ نظام السيطرة يتفكك بدأ المسلسل الإرهابي الذي ما يزال يضرب لبنان منذ عام بناءً لقرار متخذ، على ما يبدو، للعبث بالأمن والاستقرار والوحدة الوطنية>>.

القول <<أحسن السنيورة>> لا يلغي التحفظ حول النقص الواضح في الوصل بين موجبات المرحلة الانتقالية وبين تلك المترتبة على الموجبات الناجمة عن التزام لبنان موقعه الإقليمي. ولعل التحفظ يزداد نتيجة العجز عن فهم السخرية التي تعاطى بها رئيس الحكومة مع <<الإمبريالية والاستعمار>> في معرض نفيه أن طلب المساعدة التقنية يعني الخضوع لهما! كلا، إن طلب المساعدة التقنية لا يعني أي خضوع ولكن ذلك لا ينفي أن <<الإمبريالية والاستعمار>> يساهمان بقوة في صياغة مصير المنطقة والأمة ونحو الأسوأ تحديداً.

إن الهزء من المصابين بخواف <<الإمبريالية والاستعمار>> دليل مناخ شرع يخترق هذه المرحلة الانتقالية ويحاول إعادة تشكيلها بحيث يغلب ما هو عارض على ما هو ثابت. ربما نجد دليلاً على ذلك في النص الذي رُفع إلى جلسة مجلس الوزراء والخاص ب<<تطوير عمل المؤسسة العسكرية والأمنية وأجهزتها وتحديد صلاحياتها ونطاق اختصاصها والتنسيق بينها>>. لم يتسنّ لمجلس الوزراء مناقشة المشروع ولكن ذلك لا يلغي أننا نجد فيه مؤشراً على <<التعديل المناخي>> المشار إليه. نضع جانباً التفاصيل التقنية العديدة تاركين للخبراء أمر توضيحها وإظهار المقصود منها. نتوقف، فحسب، عند أمرين. الأول في معرض الحديث عن الاجتماعات التي عقدت على أعلى المستويات تحضيراً للنص، وتسمية الحاضرين، ترد هذه الفقرة: <<بالإضافة إلى بعض الضباط المتقاعدين ومندوبين عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي>> حضر ممثلون ل<<السفارات الألمانية والإيطالية والأميركية والبريطانية والفرنسية والقطرية والأردنية والسعودية والمصرية>>. ثم يرد، لاحقاً، أن أحداً من ممثلي الهيئات الدولية أو مندوبي السفارات لم يتقدم بأي <<مذكرة حتى تاريخه>>. لا يمكن عدم الاهتمام بنوعية الحضور في اجتماعات عاملة على إصدار نص بهذه الأهمية. ولا يمكن إلا الاحتجاج على وجود مندوبين لسفارات وذلك بعد انتهائنا من <<الأمن المستعار>>. ليس في الأمر <<مساعدة تقنية>> فقط بل أكثر من ذلك كثيراً. هل تعني هذه الملاحظة أن من غير الجائز الاستعانة بخبرات خارجية حتى في أمر بهذه الأهمية؟ كلا، بالتأكيد. إن في الإمكان إرسال بعثات للاطلاع، والتعرف، واستخلاص التجارب. وفي الإمكان تبادل معلومات ومعطيات وإجراء حوارات. ولكن هذا شيء وأن تحضر السفارات اجتماعاً أو أكثر شيء آخر. وهو كذلك، خاصة، في هذه المرحلة الانتقالية مع ما يعنيه المصطلح من أنها، أيضاً، ذات طابع تأسيسي لأنها ستترك بصماتها لاحقاً، حكماً، على ما يليها. إن إشراك السفارات، بهذه الطريقة، <<هفوة>> خاصة أننا نعلم، علم اليقين، أن سفراء يتدخلون في الاعتراض أو الموافقة على أسماء معينة لمواقع أمنية معينة.

الثاني بعد استعراض الأوراق المقدمة إلى لجنة الصياغة، وعند الكلام عن الاستنتاجات يورد النص مطالبة الدولة بألا يكون <<هناك عشرات السياسات بل سياسة واحدة>>. حسناً، يضيف: <<يصبح عمل دوائر الأمن فاعلاً حين تتمكّن السلطة السياسية، مجتمعة وموحدة، من تحديد سياستها الواحدة والطلب من دوائر أمنها تنفيذ هذه السياسة>>. وبما أن ذلك يفترض أن يقود إلى تحديد العقيدة الأمنية اللبنانية فإن النص يكمل: <<وحيث إن المبدأ يستوجب أن يكون لدى السلطة القدرة على تحديد الأهداف التي يطلب من دوائر الأمن العمل عليها، وإذا كان لبنان، بحكم موقعه وتركيبته وانفتاحه وديموقراطيته وحريته، يشكل مفتاح آسيا الغربية ويقع على خط الصراع الدولي حاملاً تناقضات عديدة ومفصلية تتحكّم حالياً بالسياسة الدولية، فإن هذه العوامل المتفاعلة خلال العقد المقبل على الأقل تقضي أن يكون لدى الدولة اللبنانية أجهزة أمن واستخبارات محترفة ومتخصصة لأن أهمية الأمن في المجتمع الحديث هي قدرته للسيطرة على قضايا الجريمة المنظمة والإرهاب والتخريب المجتمعي>>.

إذا كان أحد يستطيع أن يحدد وجهة أمنية انطلاقاً من هذه الخزعبلات فليتفضل. ما معنى <<العوامل المتفاعلة>> طالما أنها <<مفتاح آسيا الغربية>> و<<خط الصراع الدولي>> و<<التناقضات العديدة والمفصلية>>... رصف للكلمات لا يعني شيئاً أو، بالأحرى، لا يعني سوى ما يسقطه من تحديدات خاصة بالأمن الاستراتيجي اللبناني وحتى ب<<الظروف الاستثنائية>> التي يمر بها البلد. لم يمض يوم حتى كانت الأنباء تشير إلى أن الجيش اللبناني أعاد التأكيد على عقيدته العسكرية والقتالية والأمنية: الوطن النهائي، وحدة الأرض والشعب، الديموقراطية والعدالة والمساواة، العلاقة الأخوية مع سوريا، دعم المقاومة للاحتلال الإسرائيلي. هذه، على الأقل، مفاهيم واضحة مع أن البعض يريد أن يرى فيها صدى لمرحلة آن لها أن تمضي.

بين الجلسة الوزارية الأمنية، والجلسة النيابية الأمنية، والوثيقة الأمنية، والعقيدة الأمنية، تختلط الأطروحات والأهداف بحيث يصبح <<شبح>> وزير الداخلية أكثر وضوحاً مما عداه.

مصادر
السفير (لبنان)