"على رئيس الجمهوريَّة أن يكون رئيسًا في طائفته أوَّلاً." (الوزير السابق طوني فرنجيَّة من تصريح له بعد زيارته الجنرال ميشال عون.) ليس الأستاذ فرنجية أوَّل مَن قال هذا القول، فقد سبقه إليه كثيرون. ومع أنَّ هذا المنطق، في رأينا، يقود إلى نتائج لا يمكن وصفها بأقل من الكارثة، فإنَّ رهطًا من السياسيِّين اللبنانيِّين، والعراقيين أيضًا الآن ينادي به. وإذا كان السياسيُّون لن يكلُّوا عن اللعب بالنار فإنَّنا لن نكلَّ عن محاولة إطفائها رحمة بأبناء شعبنا في لبنان كما في العراق.

ندخل في صلب الموضوع مباشرة معتذرين من القرَّاء ومن الأستاذ فرنجيَّة تحديدًا لأنَّنا سنضطر إلى نبش صفحات من الماضي القريب المؤلم، والذي يعنيه مباشرة. لا شك عندنا في أنَّ الرئيس الأكثر شعبيَّة كان، وربَّما لا يزال لغاية هذا التاريخ، بين أبناء الطائفة المارونيَّة هو بشير الجميَّل. عند انتخابه، وقبل اغتياله، لم يكن هناك من منازع له ضمن الطائفة المارونيَّة. ولكن علام قامت شعبيَّته هذه؟ لقد قامت على ركيزتين أساسيَّتين: دمويَّته، بدءًا بمنافسيه من المسيحيِّين، لا سيَّما بعد مجزرتي الصفرا ضدَّ الشمعونيِّين، وإهدن ضدَّ بيت فرنجيَّه، وتحالفه مع إسرائيل ضدَّ مَن صوَّرهم أنهم أعداء لبنان، وبينهم أكثر من نصف اللبنانيِّين. الرئيس الأسبق كميل شمعون كانت له شعبيَّة لا تضاهى بين المسيحيِّين في أواخر عهده، ولكنَّه أوصل البلد إلى حرب أهليَّة. الرئيس فؤاد شهاب، كان الأقل شعبيَّة بين أبناء طائفته، ولكنَّه كان الأكثر شعبيَّة بين أبناء الطوائف الأخرى. الرئيس الحص، على ما نعتقد، هو من أكثر رؤساء الوزارة الذين كسبوا احترام المواطن بسبب نزاهته، ولكنَّه لم يكن زعيمًا "سنيًّا" بالمفهوم الشائع. نجاح واكيم لم يكن مرشح "الطائفة" الأرثوذكسيَّة يوم حقَّق نجاحه الكاسح عام 1974، بل كان مرشح الشعب، وهلمَّ جرًا.

نستطرد. إذا كان الرئيس يجب أن يكون رئيسًا في طائفته أوَّلاً، فلماذا لا تكون الانتخابات للرؤساء الثلاثة، الجمهوريَّة والوزارة والمجلس، كل بين أبناء طائفته أوَّلاً، ومن ثمَّ يقودون البلد كهيئة اتحاديَّة لرؤساء المجالس الملِّيَّة! بل لنسأل: لماذا الانتخابات؟ أليس الراعي هو الأدرى بشؤون رعيَّته؟ لماذا إذًا لا يقوم كلُّ رئيس روحي باختيار مندوب عنه إلى مؤسَّسات الدولة. بل لنختصر الأمر أكثر، لماذا لا يقود لبنان مجلس مؤلَّف من رؤساء الطوائف الروحيِّين مباشرة، وكفى الله المؤمنين شر الانتخاب.

طبعًا، يفترض هذا المنطق أنَّ جميع أبناء الشعب هم أوَّلاً "طائفيُّون أقحاح" ليس في دمهم الطائفي من زغل. وأنَّهم، بالضرورة، تابعون لمؤسَّسة طائفَّية منضوون تحت لوائها، وخاضعون لرؤسائها الروحيِّين، لا يأتمرون بأمر سواهم. أمَّا أولئك الذين كفروا بالطائفيَّة وبالمتاجرين بها، أولئك الذين سمحوا للحبِّ أن يجتاز الحدود المذهبيَّة التي قيَّدت نفوس آبائهم وأمَّهاتهم، فأحبُّوا من غير طوائفهم، وتزوَّجوا مَن أحبُّوا، وأنجبوا ممَن أحبُّوا، وأولادهم، بقدرة قادر، سعداء أصحاء منفتحون على العالم، محبُّون للآخر، لا يعرف الحقد الطائفي سبيلاً إلى قلوبهم، يجمع بينهم حب الوطن والولاء له، فهؤلاء لا مكان لهم في وطن "رؤساء الطوائف".

ما هي طائفة الرئيس؟ من يكترث لذلك! الوطن إمَّا أن يكون أكبر من مجموع طوائفه أو لا يكون.