الفن هو ريشة الروح التي يرسم بها نفسه على هيئة لوحة تشكيلية وكاريكاتير وصور, تزن كثافات الضوء ولحن يعيد للمكان سطوته على حركة الأرواح التائهة .

حقيقة كان الأمر أشبه بحالة اسعافية لجأنا فيها إلى آلية تعيد النبض إلى الجسد ( ولو جزئيا ) والذي تحول إلى لوحة تصرخ بالمعاناة وبقي هناك عديم الحراك لا يستطيع الخروج من الإطار الذي رسم له، فبات منعزلا عن العالم لينشل بنفسه وبمعيشته ، ويلوح خلف المقابر للحياة التي تكاد أن تهجره ، وبين طيات هذه المعاناة يأتي الفن ليهز الإنسان بعنف ويعيد ترتيب الرفوف بداخله ، ويزيل عنه الغبار ويدرك أن باستطاعته الرسم والعزف والنحت ليعيد للمكان أصله الوحشي المتمرد الذي يرتفع التاريخ على أعمدته .

وعليه سيكون هناك الكثيرين من المعادين للفن وسيحاولون منعه وترويض جموحه وخلق الحواجز التي من شانها أن تبطئ من حركته . لكن وبرغم المصاعب الكثيرة التي لاقتها أسرة التنظيم جراء الإجراءات المعقدة من قبل الجهات المسؤولة استطاعت إنجاح مهمتها, إذ كان من المفترض إقامة المعرض على ذرى جبل قازقلي في بلدة جندريس تحت اسم معرض الجبل الأول وفي تاريخ 9/9 لكن التدخلات حالت دون ذلك ، ليتغير الموقع إلى صالة المركز الثقافي في جندريس وبتاريخ 23- 9 ليتغير التاريخ لاحقا إلى 30-9 , و هذا ما أحدث إرباكا في الشارع الثقافي و الفني.

كانت الصالة صغيرة أمام الكم الكبير من المشاركين الذين بلغوا 98 فنان, وبلغت الأعمال 200 عمل بين لوحات تشكيلية ومنحوتات وصور فوتوغرافية وكاريكاتير و حفر,ما اضطرنا إلى إقامة صالات اصطناعية في الهواء الطلق ضمن المركز و استغلال الجدران الخارجية و تزيينها باللوحات المعبرة, و تحول المعرض منذ بدايته إلى مهرجان فاجئ الجميع ببرنامجه و بشكل خاص الجهات المسؤولة التي لم تكن تتوقع سيل الناس القادمين بحماسهم و عطشهم للفن و خاصة كونه المعرض اليتيم بهذا الزخم الروحي , وأروع ما كان في المشهد الأطفال و العجائز الذين كانوا يحدقون في اللوحات التشكيلية بدهشة و منهم من كان يعلق عليها بأنها خربشات و أنه بإمكانه رسم مثل هذه اللوحات ببساطة. كانت أجوبة بسيطة تترجم الروح البسيطة, المتناغمة مع الطبيعة بجبالها و وديانها و غاباتها و حيواناتها الوحشية و الأليفة, و منهم من كان لا يبارح المكان رغم مشاهدته لجميع اللوحات, ليشارك اللوحات معاناتها و تفاؤلها بالمستقبل و أثبتوا بأنهم أناس حضاريون بحضورهم.

رافق المعرض طيلة ثلاثة أيام حفل موسيقي لمدة ساعتين كل يوم أحياها مجموعة من الفنانين الشعبيين الكورد, و الشباب الأكاديميين و لم تكن الموسيقى مصحوبة بالغناء الذي لم يسمح به من قبل الجهات الرسمية, لكنها كانت كافية و ملهمة للحاضرين الذين التهبوا منذ الحفلة الافتتاحية على صوت الموسيقى في المركز الثقافي في جندريس, انتهت الفعاليات بحفلة موسيقية بعد أن أعيد صياغة برنامجها الختامي, الذي كان مخططا له أن ينتهي بالشموع تعبيرا عن حالة حضارية ترافق أغلب الحفلات,و ذلك لعدم إتاحة الفرصة وبهذه الكلمات: "لكل أمر خاتمة ونهاية ولكن لا نهايات لكل من الفن والعشق والحرية، فشكراً لكم ولتكن هذه الخطوة هي بداية مشوارنا إلى ما نصبوا إليه" من قبل الكاتب الكردي و مقدم الحفل؛ بير رستم وباللغتين الكردية والعربية، انتهى فعاليات معرض الجبل الفني .

كان المعرض خطوة إلى تفعيل الحركة الفنية بين الفنانين و جعله ملتقى يجمعه الثقة و الواجب ليشاركوا جميعا في إعداد لوحة فسيفسائية تعبر عن تناغم الحضارة ومن جهة أخرى تعتبر المرة الأولى والتي تستخدم فيها اللغة الكردية ومن على منبر حكومي سوري.

مصادر
سورية الغد (دمشق)