هناك مثل فرنسي شهير يقول:"إذا كنت تعرف الله فلا حاجة لك بالملائكة". بعبارة أخرى لا داعي للمرور عبر التسلسل الهرمي للأمور إذا كنت تستطيع الوصول إلى رأس الهرم مباشرة وتحصل منه على كل ما تريد. ولعل ذلك المنطق ينطبق أكثر ما ينطبق على العلاقات بين أمريكا والعرب، حيث اعتادت واشنطن أن تشرب دائماً من رأس المنبع العربي دون الحاجة للمرور عبر الحواري والأزقة الشعبية. وهذا ما يجعلنا نضع ألف إشارة استفهام حول حملة العلاقات العامة التي تتولاها السيدة كارين هيوز مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الدبلوماسية لتحسين صورة العم سام في العالم العربي بعد أن أصيبت بنكسات خطيرة في السنوات القليلة الماضية. وقد كتبت الاسبوع الماضي مقالاً حول الموضوع نفسه آملاً أن تكون الإدارة الأمريكية جادة فعلاً في رأب الصدع مع الشارع العربي. كما تمنيت على السيدة هيوز ألا تصغي للمتأمركين العرب والأزلام المفضوحين بل عليها أن تنزل مباشرة إلى قلب الشارع كي تتعرف على الحقيقة المرة وهي أن سمعة أمريكا عربياً قد وصلت إلى الحضيض. لكنني ما أن نشرت ذلك المقال حتى بدأت أفكر بتكملة له كي أزيح عن كاهلي تهمة السذاجة، خاصة إذا ما علمنا أن نظرة الإدارة الأمريكية للشعوب العربية ربما لا تختلف كثيراً عن نظرة الكاوبوي للقطعان في أفلام (الوسترن).

عندما طلبت من السيدة هيوز المشرفة على حملة التجميل الأمريكية النزول إلى الشارع كي تتعرف على الرأي العام العربي بأمريكا كنت أعمل بالمبدأ البسيط:"إلحق الكذاب لورا الباب" أو "لنستغل فائدة الارتياب" كما يقول الأمريكيون أنفسهم في أمثالهم الشعبية، على الأقل كي لا نـُتهم أوتوماتيكياً بأننا من أنصار نظرية المؤامرة الذين يشكـّون بكل التصرفات والسياسات الأمريكية. لكن من حقنا في الآن ذاته أن نتساءل فيما إذا كان الأمريكيون حريصين فعلاً على تحسين صورتهم في المنطقة العربية وفيما إذا كانوا يعيرون رأي الشعب العربي فيهم أي اهتمام يُذكر.

لدي شعور مدعوم بالأمر الواقع مفاده أن الأمريكيين يعملون بالمثل الفرنسي آنف الذكر لابل يطبقون القول العربي: "إذا حضر الماء (الحكومات) بطل التيمم (الشعوب)". فما حاجتهم للشارع العربي إذا كانوا يحكمون قبضتهم على المتحكمين بالشارع ألا وهي الأنظمة العربية؟ هل هم بحاجة للنزول إلى الساحات العربية للأخذ برأي السواد الأعظم من العرب ومعالجة شكواهم من سياسات العم سام إذا كان لا رأي أصلاً للإنسان العربي في كل ما يتخذه حكامه من قرارات؟ إن الأمريكيين يعملون بالمبدأ التجاري المعروف: اشتر الحكومات العربية وخذ الشعوب مجاناً! وهذا ما يحدث بالضبط.

إن أمريكا تعرف جيداً رأي الشعوب العربية فيها وليست بحاجة لإرسال لجان تقصي حقائق الى البلدان العربية. وتعرف أيضاً أنها هي التي مكنت الانظمة فوق رقاب الشعوب وشلت قدرتها وجعلتها عاجزة عن أي فعل. وبالتالي عليها أن تحترم عقولنا عندما تتظاهر بتحسين صورتها لدينا، فلسنا ساذجين الى الحد الذي نصدق فيه أنها قلقة على صورتها العربية. ولو كان رأي الشعوب يهم أمريكا فعلاً لما حاربت بكل ما أوتيت من قوة حركات المقاومة الشعبية العربية ومازالت تحاربها كي لا يبقى هناك أي معارضة شعبية لها على الأرض العربية. ولو كانت أمريكا قلقة على سمعتها في العالم العربي فعلاً لما اقتصرت لقاءات السيدة كارين هيوز على وكلاء أمريكا الحصريين في المنطقة من سياسيين ورجال دين ومسؤولين ومثقفين ولكانت نزلت إلى الأعماق السحيقة حيث الغضب العربي الحقيقي على العم سام.

كنا سنصدق المزاعم الأمريكية بأن البيت الأبيض قلق على سمعة بلاده وصورتها في العالم العربي لو كان في البلاد العربية أنظمة ديمقراطية تصل إلى سدة الحكم بمباركة الشعوب وتزكيتها لا بإيماءات من الإدارة الأمريكية وضغوطها. لكن كما هو معلوم فإن الشعوب العربية مغيبة تماماً. فلو كانت الشعوب هي التي تحمل الحكومات إلى السلطة لخافت أمريكا على مصالحها وصورتها في عالمنا ولعملت جاهدة لاسترضاء الشعوب العربية والنظر في مظالمها ومعالجة سخطها على السياسات الأمريكية في المنطقة. إنها معادلة بسيطة للغاية، فلو شنت أمريكا حملة لتجميل صورتها في أوروبا مثلاً لصدقنا أنها قلقة وتريد أن ترمم سمعتها كون الشعوب الغربية هي صاحبة القرار فيمن يحكم بلادها. أما عندنا فالشعوب موجودة للبصم والمصادقة على استفتاءات وانتخابات محسومة ومفبركة النتائج في أقبية وزارات الداخلية العربية بمباركة أمريكية. وكم أثنى الرئيس بوش على زعماء عرب يزورون حتى درجات الحرارة فما بالك بإرادة الشعوب. وكم تفاخر بعض القادة العرب أمام سادة البيت الأبيض بأن شعوبهم في جيوبهم الصغيرة ولا داعي للأمريكيين أن يقلقوا، وبالتالي:

who cares؟

إن كل ما تريده أمريكا من دولنا العربية يمكن تحقيقه بمكالمة هاتفية بسيطة ولا داعي للمرور عبر البرلمانات والحكومات والمجتمع المدني والشارع لأن كل ذلك مجرد ديكورات في بلادنا ولا محل له من الإعراب إلا في محل مجرور إن لم نقل في محل مفعول به. ناهيك عن أن هيئات المجتمع المدني العربية المزعومة التي من المفترض ان تكون طليعة حية تتقدم الصفوف الشعبية قد رهنت نفسها للغرب مقابل مساعدات ومعونات مادية معينة بحجة نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان. فإذا أراد البيت الأبيض أن يمرر صفقة أسلحة ضخمة بالمليارات لبعض بلداننا مثلاً فلا داعي أبداً للأخذ برأي أوموافقة ممثلي الشعب في البرلمانات ومجالس الشورى العربية (فهؤلاء مثل الأطرش بالزفة) فقط يكفي أن يرفع الرئيس الأمريكي سماعة الهاتف ويتحدث إلى الزعيم العربي، هذا إذا تنازل أصلاً ولم يترك المهمة إلى وزير الدفاع أو وزير الخارجية أو حتى وكيل وزارة. وستكون طلباتهم أوامر بلا أدنى شك. وإذا أراد الأمريكيون أن يمرروا أي سياسة في منطقتنا يكفي أن يوعزوا لوكلائهم المعتمدين كي يطبقوها ويفرضوها على الشعوب بلمح البصر. وإذا أرادوا أن يغرقوا الأسواق العربية بالبضائع والسلع الأمريكية فلا داعي للترويج لها كي يقبل بها الشعب العربي ويستقبلها، فهي ستصله شاء أم أبى عن طريق وكلاء أمريكا التجاريين المرتبطين أصلاً بالأنظمة الحاكمة. ويحدثونك عن نشر الديمقراطية في أوساط الشعوب العربية وتمكينها!!

ولو اقتصر عمل الوكلاء العرب على الترويج للبضائع الأمريكية وتسويقها عربياً رغماً عن أنف الشارع الساخط لقلنا لا حول ولا قوة إلا بالله. لكن هناك رهطا آخر من الوكلاء الذين أخذوا على عاتقهم إقحام القيم والثقافة الأمريكية على الشعوب العربية غصباً. ألم تنشئ بعض الأنظمة العربية قنوات فضائية تبث المسلسلات والبرامج والأفلام الأمريكية على مدى الساعة؟ أليس هناك صحف ومجلات تـُمول من قوت الإنسان العربي هدفها الأول والأخير تجميل صورة أمريكا ورفعها إلى مصاف الأنبياء؟ فما حاجة الأمريكيين إذن إلى تبييض صفحتهم إذا كان هناك من يستميت لتبييضها لهم باللغة العربية و"ببلاش"؟

فليصرخ الشعب العربي إذن ويتذمر ويقول: "تسقط أمريكا من الصباح حتى المساء"، فهذا لا يقدم ولا يؤخر، وليفرغ حقده وحنقه على الأمريكان صوتياً كما فعل على مدى عقود طالما أنه أشبه بقطعان مسلوبة الإرادة وطالما أنه يُساق ولا يسوق.متى تأثر الرعيان بثغاء الأغنام؟

مصادر
الشرق (القطرية)