تمت الانتخابات داخل مركزية الليكود على زعامة الحزب على وقع "رقصة الدم" التي قام بها كل من شارون وصديقه اللدود نتنياهو... وكان دم الشعب الفلسطيني هو موضوع التنافس بينهما بعد أن وصلت الأمور الى مرحلة اللاعودة ولم يعد بالإمكان تجسير المواقف بين شارون ومعسكره من جهة ونتنياهو ومعسكره من جهة أخرى، بعد أن اعترض الأخير على قرار الانسحاب الأحادي من غزة. ما جرى ويجري في غزة والضفة، يكشف من غير عناء أن المستقبل السياسي لأي زعيم اسرائيلي وبخاصة في معسكر اليمين المتطرف بات مرتبطاً بشكل مباشر بالعلاقة مع الصراع العربي ـ الاسرائيلي عامة، والفلسطيني ـ الاسرائيلي خاصة، على رغم أهمية الموضوع الاقتصادي الاسرائيلي، وأبواب الانفاق في الموازنة والموقف من قضايا الزواج والارث والطلاق على الطريقة "الأرثوذكسية اليهودية" ناهيك بالموقف من تجنيد طلاب المعاهد الدينية. "أول الغيث"... هو الرمز الكودي لعملية القصف والترويع والتدمير التي بدأها... وما يزال مستمراً بها الجيش الاسرائيلي في غزة والضفة بلا ضوابط أو خطوط حمر، استهدفت في الأساس "بناء وتحديد قواعد اللعبة الجديدة". كما كتب الصحافي اليكس فيشمان في "يديعوت أحرونوت" يوم 28/9/2005.

كان شارون واضحاً في تصريحاته التي أدلى بها في مستهل جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية: انه سمع انفجارات قذائف القسام من مزرعته في النقب ولم يستطع النوم كباقي سكان سديروت والنقب الغربي... وعندها اتصل بشاؤول موفاز وزير حربه وأيقظه من النوم قائلاً له: "سكان غزة يجب أن لا يناموا إذا لم ينم سكان سديروت"... الرسالة واضحة وفي اتجاهين:

الأول: هم ناخبو مركزية الليكود حيث قال لهم شارون: لست أنا من يتخلى عن مبادئ الليكود... أنظروا ماذا أفعل بالشعب الفلسطيني... حتى ان بعض المقرّبين منه قد ربطوا بين عدد الشهداء الفلسطينيين وارتفاع حظوظ شارون لدى أعضاء الليكود... أي أن كل شيء متعلق بحجم الخسائر في صفوف الفلسطينيين... أعضاء المركز لا يريدون الظهور كحمقى وإذا رأوا جيش الاحتلال يعمل بقوة فسيصوّتون من "أعماقهم" لشارون.

الثاني: هم فصائل العمل الوطني الفلسطيني وبضمنهم السلطة الوطنية.

استغل نتنياهو الانسحاب والتصعيد "لينعى" شارون... وذهب بعيداً في حملته التي بدأت بالقول: إن شارون "يعمل وفق مبدأ الانسحاب مقابل السجاجيد"، أي السجاد الأحمر الذي فرش لشارون "عندما كان في نيويورك" لحضور القمة العالمية.

أياً كانت الشعارات التي استخدمت في معركة زعامة الليكود، فإن شارون خرج منها منتصراً بعد أن كان مستقبله السياسي في خطر كبير بل بات كثيرون داخل اسرائيل يتوقعون أن يعتزل ويتفرغ لمزرعته في النقب للاعتناء "بالشياه والأبقار". لكنه استطاع أن يقهر منافسيه، وكأنه على موعد مع هذا "الحظ" غير المسبوق الذي ميز حياته الحزبية والسياسية بعد أن وصفه بن غوريون وهو ضابط صغير في الوحدة الخاصة رقم "101" بأنه "رجل كاذب لا يمكن الوثوق به". ثم في مسيرته العسكرية عندما تم طرده من الجيش ثم عودته كضابط احتياط عام 1973 بعد أن فشلت طموحاته في الوصول الى موقع رئيس الأركان... وكيف احتفظ لنفسه بموقع مهم في الخريطة السياسية والحزبية عندما نجحت مغامرة ما سمي بـ"ثغرة الدفرسوار" التي قادها شارون وجعلت غولدا مائير تتبجح يوم 16/10/73 أمام الكنيست وتعلن أن "قواتها تعمل خلف خطوط العدو"، مما أدى الى النتيجة التي باتت معروفة الآن وهي "محاصرة الجيشين الثاني والثالث المصريين" واضطرار الرئيس الراحل السادات الى طلب وقف إطلاق النار في 22/10 من غير التشاور مع القيادة السياسية في سورية.

تخلص شارون إذاً من مأزق خطير كان يمكن أن يرسل به الى البيت أو على أفضل تقدير دفعه الى الانشقاق عن الليكود وتشكيل حزب "وسطي" جديد يمكن أن يطيل في عمره السياسي لكنه سينزع عنه الغطاء الايديولوجي ـ التلمودي الذي تدثر به طوال نصف قرن من حياته وهو "الاخلاص لأيديولوجيا جابتونسكي" الداعية الى إقامة اسرائيل الكبرى وتكريس الاستيطان في أنحاء فلسطين واستخدام أقصى درجات العنف بما فيها القتل والتدمير والترانسفير ضد سكان البلاد الأصليين واعتبار مصادرة أراضيهم الهدف الرئيس في كل نشاط... لقد خذل الليكود نتنياهو الذي حاول العودة الى رئاسة الحزب والوزراء من بداية المزايدة على شارون الذي "عرض مشروع اسرائيل الكاملة الى الخطر بانسحابه من غزة"، حسب تعبير نتنياهو، ورفض مركز الليكود اقتراح معسكر المتمردين بتقديم موعد الانتخابات الداخلية ـ التمهيدية الى تشرين الثاني المقبل بدل التاريخ المعتمد "وهو نيسان 2006".

لكن السؤال الآن؟!

هل سيتابع شارون خطة الانسحاب الأحادية أم سيعيد احتلال غزة؟! أم أنه سيصر على اقتراحه بإقامة "دولة فلسطينية مؤقتة" في حدود مؤقتة وعلى مساحة لا تتجاوز 43% من أراضي الضفة لفترة انتقالية مدتها 15 عاماً؟!... ربما الأيام القادمة تكشف عن الجواب...

مصادر
المستقبل (لبنان)