يفترض أن الأمم المتحدة على صلة مباشرة بالعملية السياسية في العراق. تلعب دوراً هامشياً في القضايا الرئيسية، لكنها تقدم الغطاء للاحتلال في ما يخص الانتخابات والاستفتاء. ومن <<إبداعات>> المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، عشية الاستفتاء على الدستور الدائم، ما قاله المسؤول الأبرز فيها فريد أيار:

<<ينبغي أن يتأكد مراقب صناديق الاقتراع من وضع الناخب السبابة اليمنى في الحبر الذي لا يُمحى، وأن يتأكد من أن الحبر يغطي طرف ظفر إصبعه قبل السماح له بوضع ورقة الاقتراع داخل الصندوق. وإذا كانت للناخب أصابع مفقودة يقوم مراقب صندوق الاقتراع بوضع إحدى أصابع اليد اليمنى الأخرى للناخب، وإذا لم تكن لديه يد يمنى يضع إحدى أصابع اليد اليسرى، وإذا لم تكن لدى الناخب أصابع فليس من الضروري أن يضع حبراً على الإطلاق>>.

إذاً هكذا هو العراق المنتقل من عصر حروب وقمع تسبّب ببتر الأيدي والأصابع إلى عصر التفكك والتحلل الذي افتتحه الغزو الأميركي وترعاه الأمم المتحدة التي تنسب لنفسها مهمة تنظيم علاقة السبابة، إذا كانت موجودة، بالحبر <<الديموقراطي>> الذي لا يُمحى! وحتى لا تكون هذه الأمم المتحدة مظلومة يجب أن يسجل لها الاعتراض على الهرطقة التي ارتكبها نواب عراقيون عندما فسّروا كلمة <<ناخب>> بمعنيين قبل أن يتراجعوا عن ذلك. لقد أوضحت قضية الدستور الدائم ضيق الهامش الذي تتحرك فيه المنظمة الدولية، وتبيّن، في الشهور الأخيرة، أن الأميركيين لا يسمحون لغيرهم إلا بشهادة الزور علماً بأن هذه الشهادة، على تفاهتها، منعت عن الجامعة العربية لأن أمينها العام تجرأ على التحذير من حرب أهلية فرد عليه ليث كبة، وهو يعد الجثث، أن المصالحة الوطنية متحققة في العراق.

الدستور العراقي الدائم هو الابن الشرعي لزواج الاحتلال بالانتخابات المزورة التي يصر جورج بوش على أن يرى فيها <<تقدماً غير قابل للتصديق للديموقراطية>>. لقد قاطع طرف تكويني للعراق هذه الانتخابات. وكان يفترض بذلك حرمانها من الحق في تعيين لجنة لصياغة الدستور. جرى اللجوء إلى حيلة قضت بتعيين خمسة عشر عضواً غير منتخبين للمشاركة باسم <<السنّة العرب>>. إلا أن هؤلاء تعرضوا لتهميش استثنائي بحيث اقتصرت الاجتماعات التقريرية على القوى الشيعية والكردية الفائزة في الانتخابات، وتميّزت بحضور طاغ للمندوب السامي الأميركي زلماي خليل زاده.

وبعد تأخير في تشكيل الحكومة، تبعه تأخير في تشكيل اللجنة الأولى، تبعه تأخير في توسيعها، تبعه تأخير في مباشرة عملها، جاء دور الصياغات المرتجلة، وعرض المسودات المستوردة، وانهيار آليات التشاور كلها. وكان من الطبيعي أن يتم تجاوز الموعد المحدد لوضع المسودة، وأن يمررها البرلمان في الدقائق الأخيرة، وأن تستمر المساعي بعد ذلك (وحتى اللحظة)، وأن يتأخر توزيع النسخ، وأن ينعدم أي نقاش جدي حول النص. وفي حين كنا نتابع الحملة الإعلانية الزاهية على قناة <<العربية>> الخاصة بدستور <<الإنقاذ>>، كانت وكالات الأنباء تنقل صوراً عن الدستور إياه بين النفايات أو عن سيدة عجوز تحمل أكواماً منه لاستخدامات مجهولة.

إذا كانت حيلة ضم خمسة عشر عضواً لم تدم فإن حيلة أخرى بدت أكثر نجاعة: ترحيل بعض العناوين الحساسة إلى ما بعد انتخاب الجمعية الوطنية الدائمة. عناوين من نوع توزيع الصلاحيات بين غرفتي البرلمان، وتحديد صلاحيات نواب الرئيس والمجلس الدستوري والصيغة العملية لتحوّل المحافظات إلى أقاليم.

غير أن ما لم يتم ترحيله هو كل ما له علاقة جدية بتحويل الدستور إلى عنصر مؤثر في القضاء على الدولة العراقية.

فالدستور فدرالي ولامركزي. إلا أنه يفتح الباب أمام تحول اللامركزية إلى فدرالية موسعة لأنه يعطي الحق للمحافظات التي تريد أن تتحول إلى أقاليم مع ما يعنيه ذلك من انتزاع لصلاحيات واسعة من السلطة المركزية: تعديل الدستور حق إقليمي، والأمن إقليمي، والأحوال الشخصية إقليمية، والضرائب إقليمية... وحتى النفط فإن ما هو مكتشف منه حالياً ترجع عائداته إلى الحكومة في بغداد، ولكن الاكتشافات المستجدة كلها تعود عملياً إلى الأقاليم. وفي حين تتآكل الهوية الوطنية العراقية من الداخل فإن الدستور يراوغ في انتماء العراق العربي وعلاقته بمحيطه، ويزيد إلى ذلك خلافات بين المتدينين والعلمانيين، وارتداداً جدياً في حقوق المرأة. ويمكن الاستطراد.

يبقى أن النص الذي سيتعرض لاستفتاء في 15 الجاري يشكل محطة بارزة في انتقال العراق من المركزية إلى التفكك. يمكن القول طبعاً إن الدستور ليس مسؤولاً تماماً عن ذلك ولكن من العبث إنكار أنه دستور مصاغ لمعانقة الغرائز النابذة، ومكتوب، إلى حد بعيد، بلغة محكومة بنوازع ثأرية تجعل الاحتراب الأهلي أفقاً محتملاً.

الدستور ورقة نعي للدولة العراقية وللوحدة العراقية، أي، عملياً، للشروط الأولى من أجل ممارسة الديموقراطية في العراق. لا يعني ذلك أن القضاء على هذه الدولة محتوم ولكنه يعني أن إنقاذها لن يتم إلا رغماً عن هذا الدستور وليس بفضله. ويعني ذلك نقضاً كاملاً لكل الديماغوجيا الرسمية الأميركية حول الاحتلال ومآثره وأفضاله. فهذه الديماغوجيا تفترض أن الخلاص يتم عبر تقدم العملية السياسية المرعية أميركياً بصفتها السبيل الوحيد للقضاء على <<التمرد>>. أما الواقع فيقول إن هذه العملية السياسية المرعية أميركياً هي سبب مباشر لتصاعد التمرد، ولتصديع ما تبقى من نسيج وطني.

مصادر
السفير (لبنان)