أسبوعان، كحد أقصى، ونعرف مضمون تقرير ديتليف ميليس. أي إننا نقترب من لحظة حرجة في تاريخ لبنان والمنطقة.

ما يمكن قوله الآن أن الخط البياني للتوقعات من التقرير المشار إليه هو خط هابط. قد يتضح أن هذا التقدير في غير محله. وقد نشهد مفاجآت جديدة ومثيرة. قد تتعدل الصورة والانطباع. ولكن يبقى أن الأجواء الراهنة ليست مماثلة تماماً للأجواء التي سادت قبل حوالى شهر.

إذا أردنا أن نستدل على المسافة المقطوعة في الفترة الماضية يمكننا اللجوء إلى ما كانت تكتبه زميلة مراسلة قبل أسابيع وإلى ما كتبته قبل أيام من مكان عملها في نيويورك حيث تقيم مرجعية ميليس.

قرأنا، قبل أسابيع قليلة، أن <<ديتليف ميليس اسم سيدخل تاريخ الشرق الأوسط لأن تقريره عن اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري سيحدث هزة أرضية جذرية في كامل المنطقة العربية، وسيحطم شخصيات وقيادات سياسية وأمنية واستخباراتية...>>. إن حبر التقرير <<سيرسم خطوطاً فائقة الأهمية للخريطة السياسية الجديدة للشرق الأوسط>>. قرأنا، أيضاً، <<أن القاضي الألماني يعرف كيف وقع الانفجار... ويعرف نوعية التفجير ووسائله وكيفية إصدار التعليمات لتنفيذه، ويعرف خريطة الطريق إلى تنفيذ الجريمة...>>. وقرأنا أن ميليس <<إذا لاقى التعاون كان به وإذا لم يتلق التعاون، لا يهمه الأمر. فديتليف ميليس انتهى عملياً من التحقيق وتوصل إلى استنتاجات قاطعة. إنه يعرف الحقيقة>>. وعلمنا، أيضاً، أن <<الفريق تمكّن من تعريف القائمين على جريمة الاغتيال، والمتواطئين وراءها، والملهمين لها. فهو قد تعدى تعريف الفاعل إلى تعريف الملهم>>. واطلعنا على أن <<لدى التحقيق الدولي أدلة قاطعة تدين لبنان وسوريا على تورطهما بإرهاب الدولة>>. وكتب أن ميليس <<ليس في حاجة إلى تعاون سوريا لأن التحقيق انتهى ولديه ما يحتاج إليه من معلومات وأدلة لتوجيه تهم التورط ولإصدار قائمة المشتبه فيهم كتلك التي صدرت في لبنان...>>.

الاستنتاج قاطع: التحقيق انتهى والحقيقة معروفة والرؤوس، على أعلى المستويات، ستتدحرج. كان ذلك قبل أسابيع. غير أننا قرأنا، قبل أيام، وبالقلم نفسه تحذيراً من <<الإفراط في التوقعات>> ورفضاً <<لارتهان البلاد في توقعات مضخمة تؤدي إلى خيبة مفتعلة ذات مساوئ خطيرة>>. لا ضرورة، والحالة هذه، للنقاش في ما إذا كان ميليس <<لديه الأدلة أو أن لا إثباتات أو أدلة لديه>>. كذلك فإن <<ما لا نعرفه أبداً هو نوعية الأدلة>>. وما لا نعرفه هو إذا كان سيعرضها أو يحجبها في تقريره وإذا كان سيفضل التكتم عليها لتقديمها إلى المحكمة. بات الميل هو إلى القول بأن ميليس <<سيعرض الاستنتاجات... أما الأدلة الدامغة فستصان حتى لا تحرق إذ إن الحاجة إليها هي تماماً أمام المحاكم التي ستقاضي المشتبه فيهم بهدف إدانتهم بارتكاب الجريمة أو التواطؤ أو إصدار الأوامر أو التغطية عليها>>.

يمكن ملاحظة قعر مشترك في الروايتين إلا أن من العبث تجاهل الخط البياني الهابط من <<تقرير الحقيقة>> وزلازله إلى <<تقرير الاستنتاجات>> ووجوب المحكمة بعد ذلك ورهن <<الحقيقة>> بها. إن المسافة التي قطعتها الزميلة جعلتها، بالطبع، أقرب إلى ما يقوله ميليس في تصريحاته القليلة والغامضة لا بل المتباينة أحياناً. غير أن هذه المسافة عينها هي التي قطعها، أيضاً، السجال اللبناني الداخلي حول التقرير، ومضمونه، وآثاره المحتملة. وهو سجال دخل في مرحلة جديدة، في بيروت ودمشق، مع حسم طلب التمديد لعمل لجنة التحقيق.

إن أي مراقب للمشهد السياسي الحالي يلاحظ أن أصواتاً خفتت وأن أصواتاً ارتفعت. وحصل ذلك في سياق الإشارات إلى <<هجوم مضاد>> ينوي البعض شنه من أجل كسر مصداقية الرواية الوحيدة التي احتلت الحيز العام لفترة من الزمن. ولعل المؤشر على نوع التحوّل هو تبادل المواقع الذي حصل.

إن مَن كان يقول <<لا ضرورة للاستنتاج الآن، فلننتظر نتائج التقرير>> بات يحاول أخذ المبادرة في الاستنتاج موحياً أن النتائج ستكون ضحلة. ومَن كان يقول <<لا نعرف مضمون التقرير لكنه لن يحيد عن تعيين الجهة المتهمة والتي سبق للحدس الشعبي التدليل عليها>> بات يقول اليوم <<علينا انتظار النتائج وهي قريبة>>. المهم أننا نعيش حالياً، في لبنان، فترة توازن هش وذلك قبل أيام قليلة من تقديم التقرير إلى مجلس الأمن. والتوازن الهش هذا هو ثمرة تقدم جهات وانكفاء جهات واستقرار الوضع على لحظة حيرة مقلقة. لو كنا نشاهد شريطاً سينمائياً لقلنا إننا في لحظة التشويق القصوى قبل برهة من الخاتمة.

غير أن المشكلة هي أننا لسنا في حضرة شريط سينمائي لأن الموضوع المطروح شديد التأثير على حياتنا ومصائرنا ومستقبلنا. إن تقريراً في هذه الوجهة يترك انعكاسات هائلة لا تقل عنها هولاً الانعكاسات التي يتركها تقرير في وجهة أخرى.

بكلام آخر إن الاحتمالات كلها مدعاة للحذر.

إذا جاء تقرير ميليس ميالاً إلى أن يكون <<استنتاجياً>> و<<غامضاً>> فإن ما يسمى <<الحملة المضادة>> سيتصاعد مع ما يعنيه ذلك من توترات.

وإذا جاء التقرير <<بين بين>> فإننا سنشهد معركة سياسية ضارية. وإذا جاء حاسماً في وضوحه فإنه سيحوّل <<الحقيقة>> إلى إقفال لمرحلة وافتتاح لمرحلة قد لا تخلو من خطورة... وهي، بالضبط، المرحلة التي ترتفع أصوات عربية رسمية للتحذير منها وإبداء المخاوف من أن تكون تدشيناً لبؤرة توتر جديدة في منطقة تتكاثر فيها بؤر التوتر.

يقود ما تقدم إلى طرح السؤال الملح عمّا يتوجب على اللبنانيين، وحكومتهم تحديداً، فعله في هذه المرحلة الفاصلة عن التقرير. يتصرف رئيس الحكومة فؤاد السنيورة على قاعدة احترام <<سرية التحقيق>> وهو يعتبر أنه، بذلك، يؤكد صورته ك<<رجل دولة>>. إن هذا السلوك يستحق مناقشة. أي إن دعوة السنيورة إلى إيقاف <<التعفف>> عن المعرفة تملك وجاهة ومنطقاً. ليست حجة مقنعة تلك التي يرددها: <<كيف أعرف ما يتضمن التقرير طالما أن ميليس لم يكتبه بعد>>. فهذه الحجة قد تعني أن ميليس نفسه لا يعرف مضمون ما سيكتبه. وليس حجة مقنعة، هي الأخرى، التأكيد بأن جمرة التقرير ستحرق موضعها فقط لذلك لا ضرورة للقلق. إن جمرة التحقيق قابلة لأن تشعل لهيباً في اليباس اللبناني وقادرة على أن تضع البلد في موقع المتلقي للارتدادات الناجمة عن أي اهتزاز في الجوار.

إن واجب السنيورة ك<<رجل دولة>> هو أن يسعى إلى معرفة ما يتضمنه التقرير. هذا أولاً. وواجبه ثانياً هو أن يعمل على تهيئة الوضع اللبناني لاستقبال التقرير وامتصاص آثاره التي قد تفيض عن قدرة لبنان، في حالته الراهنة، عن التحمل. وواجبه، ثالثاً، أن يكون مالكاً لسيناريوهات ما بعد التقرير المبنية على أن الاحتمالات كلها مفتوحة.

إن الطمأنينة التي يبديها السنيورة ليست معدية. بدليل أن هناك مَن يفسرها على أنها قد تكون ارتباكاً ناجماً عن تراجع اضطراري في التوقعات. وإلا فما معنى الإقدام على رفع اللهجة حياله؟ ليس مطمئناً على الإطلاق أن يكون رئيس الحكومة والمواطن العادي على سوية واحدة من المعرفة الخاصة بهذا الموضوع المصيري. ولا أحد يطالب السنيورة بأن يكاشف اللبنانيين بما يعرف. حسبه أن يتصرف فقط.

مصادر
السفير (لبنان)