المساعي المبذولة لعقد لقاء بين اريئيل شارون ومحمود عباس تجسد اكثر من اي شيء آخر الطرف الذي انتصر في انتفاضة الخمس سنوات. وحتى عندما يلتقيان أخيراً سيذكر الموقف باللقاء بين سائق ومتسول عند الاشارة الضوئية، أكثر من كونه لقاء عمل بين زعماء متكافئين.

تنفيذ فك الارتباط و"انهاء الاحتلال في غزة" لم يغيرا شيئا. عباس وأتباعه يقفون مرة اخرى بخنوع وخضوع أمام شارون مع قائمة الطلبات التي اصبح الحديث عنها مملاً ومثيراً للضجر، السجناء، المدن، الحواجز المطلوبين.اعطني، اعطني، يتوسل رئيس السلطة الفلسطينية. اما اسرائيل "فتفحص" وتعد بـ "التسهيلات" خصوصاً من اجل ارضاء الاميركيين. بعد اشهر من البحث والتمحيص وافقت المؤسسة الامنية في هذا الاسبوع على قيام مصر بامداد الفلسطينيين بعدة صناديق من الذخيرة، وهذا ايضا يهدف بالاساس لدفع الجنرال وليام وورد للكف عن الالحاح على شاؤول موفاز.

شارون وحاشيته كانوا محقين في تقديرهم بأن فك الارتباط سيكون قبلة الموت للسلطة الفلسطينية. وأن المقولة القديمة "خذوا غزة واختنقو ابها" ستتحقق على ارض الواقع، ويفشل عباس في اختبار المسؤولية في المنطقة المحررة. وهذه ليست الضربة الوحيدة التي يتلقاها الفلسطينيون في السنة الاخيرة: موت ياسر عرفات حرمهم من رمز كفاحهم. الورطة الاميركية في العراق وتصاعد اسعار النفط والكوارث الطبيعية حرفت الانظار الاميركية، والقادة الاوروبيون غارقون في المشاكل السياسية. ليس لدى أحد اليوم جلد لسماع الصرخات المرهقة ضد الاحتلال والجدار والحواجز.

اسرائيل هزمت الفلسطينيين، وهي الان تمر في نشوة النصر وتملي عليهم التسوية. ولكن امرا واحدا غاب عن باب ديوان رئيس الحكومة. هم لم يفكروا ما الذي سيفعلونه بهذا الانتصار. لقد نسوا ان الحروب الناجحة التي تنتهي باحسان المنتصرين واهانة الخصم المهزوم، انما تتسبب فقط في زرع بذورالحرب القادمة. "بائسون"، هكذا يسمون كبار المسؤولين في السلطة الفلسطينية في شارع كابلان 3 وهم محقون على ما يبدو في ظل سلوكهم وأدائهم المثير للاشكال. ولكن هل هذا سبب يدفع للفرح والسرور؟ هل المصلحة الاسرائيلية تكمن في ان تسود الفوضى وعمليات الاختطاف والاغتيالات فيما وراء الجدار؟ السياسة الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين مريضة. هي مصابة بعيب التعالي والفوقية، وعلى وجه الخصوص بقصر النظر.

شارون تحفظ في غرفة مغلقة من تهديدات وزير الدفاع العلنية لقادة حماس، ولكن استخفافه العلني بـ"العرب" لا يقل عن ذلك فظاظة. لنفترض ان عباس والمعجبين به في اليسار الاسرائيلي مخطئون عندما يعلقون انقاذ حكمه بمضاعفة عدد السجناء الذين سيطلق سراحهم وسنوات اقدميتهم في السجن الاسرائيلي، أو بعدة رصاصات لبنادق الكلاشينكوف. هذا لا يعفي اسرائيل من اقتراح بديل لذلك بدلا من التسبب في احتضار السلطة من خلال تجويعها..

على شارون ان يقرر اذا كان عباس هو شريك ام شخص لحوح مثير للسقم، زعيم ام خرقة بالية، وأن يتصرف وفقا لقراره، ما هي مصلحة اسرائيل في اظهار محمود عباس كشخص ضعيف في مرتبة الصفر؟ شارون لم يعد يستطيع الاختباء وراء "المشاكل في الرأي العام"، و"معارضة المؤسسة الامنية" أو "رفض الرئيس كتساف للعفو". هذه الذرائع كانت ملائمة للماضي. من قام باخلاء 25 مستوطنة وهزم بنيامين نتنياهو وحصل على تصفيق العالم له لشجاعته، يستطيع، بل ومرغم، ان يبدي الجرأة في موقفه من السلطة الفلسطينية.

انحلال السلطة ربما سيبرر في وقت متأخر معارضة شارون لاتفاق اوسلو ويبعد التسوية الدائمة المهددة. وربما حتى سيضعف المعارضة الدولية لبناء الجدار والمستوطنات في الضفة. ولكنه سيترك اسرائيل مع ثقب اسود ضخم ومخيف في الجانب الآخر، ومن المشكوك فيه ان يكون هذا ما تحتاجه الدولة. لقد آن الأوان لتفكير مغاير وجريء وبعيد الرؤية في الموقف من الفلسطينيين والنظرة اليهم.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)