تعدت حادثة انتحار وزير الداخلية السوري مجالها الخاص، وكان من الطبيعي أن تتجاوز هذه الحادثة طبيعة الوقائع المرتبطة بها، لأن اللواء غازي كنعان ليس شخصا عاديا، وهو اقدم على الانتحار في الظرف الاستثنائي الذي يثير الشهوة للتساؤل، لكن البحث في مؤشرات الانتحار ونتائجه السياسية هو أمر تفرضه طبيعة المواقع التي تسلمها اللواء كنعان، وعندما يتجاوز البحث باتجاه وضع مؤلف جديد لألف ليلة وليلة حول الحادثة فإن التوقف لبحث هذه "الاستثارة" الإعلامية بالدرجة الأولى يشكل نقطة مراجعة إعلامية أيضا.

ومن بين كل الروايات نستشف حالة من الخيال الخصب الذي تنتجه عادة أوضاع البحث التراثي ... فالروايات المنقولة على الأخص في صحيفة السياسة الكويتية، التي عودتنا التجول في رحاب إبداعها القصصي الخلاق، نستشف زمن المماليك وأساليب الكتابة مع نهاية عصر التدوين وظهور المؤرخين الذين يبحثون في كلام الناس عن صورة جديدة براقة تكمل ما كتبوه من تاريخ يمتزج فيه الحلم بالأسطورة. والمشكلة اليوم أن من يكتبون سيشكلون مستقبلا التراث لأجيال سترث ثقافتنا .... وربما يعلمون أنهم يكونون تراث المستقبل فيحاولون الانجرار على سياق رواة العصور الوسطى وما أنتجوه من "السندباد البري" أو حتى "البحري" ليصبح اليوم أفلام كرتون للأطفال.

لا أحد يشك في أن عملية الانتحار حدث غير مسبوق، أو انه يعبر عن أزمة ما ربما شكلها الإعلام من خلال اقتباس قصص شهرزاد وشهريار ليسقطها على الحاضر فتصبح روايات "الصديق و ميلس". والأزمة تبدو أكثر في طبيعة الاسترخاء الإعلامي على الجانب الآخر الذي يكتفي إعلامه الخاص في الحديث عن روايات أخرى لكنها تخص "اللبنانيين" هنا ... وعبر هذه الأساليب تكتمل ألف ليلة وليلة على طريقة "الإنترنيت".

عملية الانتحار في النهاية تضيء مساحة حقيقية من الخطر الذي يهدد الوطن .. فليس الانتحار بذاته هو ما يؤرق بل تراكب الحدث وسياق الروايات وإشكالية الاسترخاء على خصوصية "التصريح" الرسمي دون القدرة على خلق "بروبغندا" تواجه "حمى الرواية" التي ستطال المستقبل قبل أن تترك أثرها في حاضرنا.