قد لا يصدق كثيرون أن وزير الداخلية السوري غازي كنعان الذي اعلنت دمشق انتحاره، انما انتحر لمجرد الايحاء له بوجود رغبة في إبعاده عن الحكومة، بعدما ارتبط اسمه بجهاز الامن والاستطلاع في القوات السورية التي كانت عاملة في لبنان، قبل ان يخلفه رستم غزالة... وبعدما ارتبط اسماهما بلائحة «شهود» استجوبهم ديتليف ميليس في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. بداية كرة الثلج؟... اشاعات واقاويل في بيروت ودمشق، حيث شبح الخراب والحراب الاميركية يخيّم... الخراب الذي هُدِد به لبنان، والحراب التي رفعت في وجه سورية ضمن ما اعتبر حملة تهويل لتشديد الضغوط عليها، في ربع الساعة الاخير قبل صدور تقرير ميليس، والذي يتمناه بعض القوى اللبنانية زلزالاً اقليمياً. ولأن بعضهم في لبنان، ممن توقع لهم سوريون «طلب اللجوء» لتفادي السجون، يتمنون ادانة أي سوري اذا ثبت تورطه في اغتيال الحريري، لأن ما قدمته دمشق في لبنان وله، خلال عقود وجودها العسكري على اراضيه، ليس مبرراً كافياً لاسقاط مسؤولية الجريمة - في حال التورط - سيتخذون من واقعة انتحار كنعان ما يشجعهم على بناء مزيد من الشبهات. ولن يكون سراً رسم سيناريوات مناقضة للرواية الرسمية، لكن الأكيد هو توقع انعكاس تلك الواقعة على ما يحيط بمهمة ميليس من تكهنات وتمنيات، وتسريبات. فالرجل الذي انتهى وزيراً، وانتهى في مكتبه ونعاه رئيس الوزراء السوري، كان كما يقول العماد ميشال عون «الحاكم الفعلي للبنان». بعضهم برر «انتحاره» بـ «ألم كبير» عاناه وهو يرى انهيار كل ما بني على جدار التعاون اللبناني - السوري. والحال ان التصريح الوداعي الذي منحه كنعان، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية السورية في لبنان، لاذاعة لبنانية قبل وقت قليل من الواقعة المباغتة، صيغ بعناية ليوحي بأن الوزير لم يعد قادراً على الاصغاء الى حملة «تجنٍ» في لبنان على دوره هناك، وعلى علاقته بالرئيس رفيق الحريري. والسؤال ان كان عجز كنعان عن تقبل «التجني» مبرراً كافياً ليضع حداً لحياته، فيما كان مطمئناً الى فحوى شهادته امام ميليس... وهل كان الانتحار السبيل الوحيد للرد على «اصحاب مآرب سياسية وخلفيات حاقدة» في لبنان، وللطعن بتقرير تلفزيوني، عبر طعن الذات، مرة واحدة والى الابد. لم يكذب كنعان حين أصرّ على ان تصريحه وداعي و «أخير»، هو الذي كان يوصف بالرجل القوي، باني قوة عنجر كقوة العلاقات اللبنانية - السورية حين كانت في عهدة عهد «الاخوة والتعاون والتنسيق»... لكن الحادث - المفاجأة التي لن تتيح للوزير فرصة «التعايش» مع نتائج تقرير مهمة ميليس، تصوّره كضحية لرياح الكراهية التي تهب على البلدين وتترك المجال لتوسيع فضاء التأويلات لما هو معلن «ومخفي» في مهمة القاضي الالماني، وفي فصول العلاقات بين دمشق وبيروت، وبين سورية وكثيرين ممن كانت عنجر بوابتهم الى الاستيزار ومواقع النفوذ حين كان كنعان ممسكاً بكل خيوط اللعبة السياسية اللبنانية والأمن السياسي للبلد. والمفارقة بعد مفاجأة الانتحار، أن في دمشق التي تحدت لبنانيين «انكروا الجميل» تقديم دليل على شبهة أي تورط سوري في اغتيال الحريري، من سارع الى مطالبتهم بدليل وهم يشككون بواقعة الرحيل المباغت لكنعان، بقرار ذاتي. لكنها في كل الاحوال ليست شأناً سورياً داخلياً فقط، وليس من شأنها سوى تعزيز رياح الكراهية البغيضة، وحملة دمشق على كثيرين من ساسة لبنان، وعلى كثير مما تعتبره «أجهزة اعلامية مأجورة». وبين واقعة كنعان وكل ما سبقها، منذ بدء مسلسل الاغتيالات في لبنان، خيط آخر يعطي لتلك الاجهزة هالة دور هائل، كأنها تخوض حرباً على العلاقات بين البلدين، بل على سورية ذاتها، لتكمل الطوق الاميركي. تلك رؤية دمشق، لكن الغريب ان كنعان نفسه في تصريحه الوداعي منح وسائل اعلام لبنانية عديدة شهادة بالموضوعية، مثلما صنّف غالبية الساسة اللبنانيين بأنهم «شرفاء»، بعدما اتهمتهم سورية بطعنها في الظهر. اما ميليس فلعله لن يجد غرابة في التساؤل عن توقيت انتحار الوزير، ودوافعه، ولا صعوبة في دعم طلب الحكومة اللبنانية التمديد للجنة التحقيق في اغتيال الحريري، لأن كرة الثلج بدأت تتدحرج، الى الحد الذي يسعفه في الخروج من مأزق لا أسود ولا أبيض.

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)