كان آخر ما يمكن أن يتخيله اللبنانيون سماع نبأ مثل “انتحار اللواء غازي كنعان”، وفق ما أعلنته سوريا رسمياً أمس، فهذا الرجل الحاضر بقوة في صلب الحياة السياسية والأمنية اللبنانية، على مدى أكثر من عقدين من الزمن، صار بالنسبة لهم شخصية تقارب الأسطورة، إن لجهة دوره أو لجهة الحديث عن قدرته على التأثير والفعل وتدوير الزوايا ورفع الشخصيات السياسية أو خفضها.

وليس من غرابة على الاطلاق في القول ان هذا المسؤول السوري معروف في لبنان أكثر مما هو مشهور في سوريا، وإن شهرته بالأصل أتت من كونه المهندس السوري الأول للوضع السياسي اللبناني في أكثر المراحل حساسية في التاريخ اللبناني المعاصر، فالرجل اضطلع بهذا الدور في لحظة قُدر لسوريا، وبمباركة عربية وبموافقة دولية، ان تسهم في إرساء لبنان ما بعد اتفاق الطائف، الذي أخرج عملياً هذا البلد الصغير، المتخبّط في تاريخه والملتبس في هويته، من حقبة لها ما لها من صفات ونعوت الى حقبة أخرى لها أيضاً ما لها من توصيفات وتعريفات، من بينها ان هذا البلد صار للمرة الأولى قاطعاً في عروبته، جازماً في انتمائه الى محيطه.

في تلك المرحلة الانتقالية بالذات بلغ اسم اللواء كنعان ذروته، حيث لم يكن لمسؤول لبناني، مهما علا كعبه، فرصة الولوج الى دمشق، والوصول الى قصر الشعب السوري، من دون أن يمر على بلدة عنجر حيث مقر اقامة اللواء كنعان. الصفة الرسمية المعلنة للواء كنعان كانت مسؤولية فرع المخابرات العسكرية للقوات السورية العاملة في لبنان، ولكن هذا الدور المنوط به لم يحل دون انتقاله من دور ضابط أمن الى رتبة “رئيس الرؤساء” في لبنان، فهو الراعي الحصري والمطلق الصلاحية لكل تفاصيل اللعبة السياسية التي شهدتها الساحة اللبنانية بعد عام 1989 أي بعد الشروع بتنفيذ اتفاق الطائف.

الخطة السورية المضمرة والملحة بعد اتفاق الطائف بالنسبة للبنان كانت انشاء طبقة سياسية تتولى البلاد، ادارة ومعادلة سياسية، تكون مطلقة الولاء لدمشق. وعليه تُرك للواء كنعان حرية اصطفاء أفراد هذه الطبقة، وخلي بينه وبين وضع القوانين والمراسيم التي من شأنها أن تضمن الوصول الى هذا الهدف والمقصد.

لذا فهو كان مهندس الاتفاقات اللبنانية السورية، وهو واضع قوانين الانتخابات النيابية خلال ثلاث دورات متتالية (1992 و،1996 و2000)، وهو الذي يمنح المسؤولين اللبنانيين شهادة حسن سلوك في دمشق، أو يحرمهم منها، وهو أيضاً راعي الطبقة العسكرية الأمنية اللبنانية التي اشتد ساعدها في السلطة والادارة بعدما عبر الرئيس اميل لحود المسافة القصيرة بين مقر وزارة الدفاع في اليرزة حيث مقر قائد الجيش الى القصر الجمهوري في بعبدا.

وخلال نحو 13 عاماً (قبل نقله الى دمشق عام 1993) يشهد التاريخ واللبنانيون جميعاً أن اللواء كنعان كان الرجل الأول في لبنان وكان المطلق الصلاحية، والراعي لتوازنات الوضع اللبناني حتى اتسعت دائرة أعدائه وكبر حيز الخائفين منه، لا سيما أن الرجل لم يظهر دوماً وجهه الدبلوماسي السياسي، وبرزت صرامته مرات ومرات على أرض الواقع. المهم أنه لا يمكن النظر في صفحات العقدين الأخيرين من القرن الماضي، وبالتحديد منذ عام ،1990 من دون ان نجد للواء كنعان بصمات وحضوراً.

ولعل آخرها، على ما يروى، أنه هو الذي وضع قانون الانتخابات النيابية لعام ،2000 وهي الانتخابات التي أسفرت كما هو معلوم عن فوز كاسح للرئيس الراحل رفيق الحريري في بيروت ومناطق أخرى وهو الفوز الذي جعل من هذا الرجل الزعيم الأكبر لطائفته (الطائفة السنية) بعدما كان واحداً من زعمائها.

وباختصار، كان هذا الفوز المبين للحريري بداية عودته القوية الى رئاسة الحكومة، وهي العودة التي فتحت الباب أمام صراع حاد بينه وبين الرئاسة الأولى استخدمت فيه على مدى أربعة أعوام كل الأسلحة والوسائل المحرّمة وغير المحرّمة، مما أفضى الى أمرين أساسيين: الأول وقوع لبنان سلطة وادارة وحياة سياسية تحت وطأة هذا الصراع وتفاصيله وأشكاله، والثاني أثّر في الأجواء التي سبقت اغتيال الحريري في محاولة لشطبه من خارطة المعادلة السياسية بعدما بات التعايش بينهما مستحيلاً.

ومما لا شك فيه أن العامين الأخيرين، اللذين قضاهما اللواء كنعان في وظيفته في لبنان، كانا بالنسبة للرجل بداية النهاية ل “المجد” الذي كان يعتقد أنه ساهم في وضع مداميكه وأسسه في لبنان، فهو أخرج من عنجر بعدما كان المسيحيون في لبنان قد بدأوا تحركاً اعتراضياً قوياً وفاعلاً على السياسة السورية في لبنان، أو على ما أسموه “الهيمنة السورية”، وقد تمثل ذلك في النداء الأول الشهير للبطاركة الموارنة، ومن ثم في أحداث أغسطس/ آب عام ،2001 وفي ظهور “لقاء قرنة شهوان” وهو الاطار السياسي المسيحي الذي أسس برعاية البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير وقاد بامتياز الحملة السياسية المعارضة لسوريا.

وثمة من يسأل في لبنان الآن عن حجم التأثير الذي سيخلفه هذا الحدث الدراماتيكي في العلاقة اللبنانية السورية المتوترة وفي مجرى التحقيق في قضية اغتيال الحريري.

مصادر
الخليج (الإمارات العربية المتحدة)