إنها "الثورة" تخرطش السلاح مجدداً.

إنه الدكتور فايز الصايغ مجدداً، بعد أن خَتَم علوم الإعلام والصحافة بجدارة مشهودة له عالمياً ومحلياً، يتنطّح للحقيقة البسيطة، متحولاً إلى محقق وقاضٍ لا يُشّق له غبار.

تُرى لماذا لا يتحمّلون الإعلام؟

بالأمس وزير الخارجية فاروق الشرع أتحَفَ العالم بدماثته الديبلوماسية، معتبراً أن وسائل إعلام باتت مدافع أو مسدسات بكواتم صوت أو "بكرات"، تنحر كل من تصيبه كلماتها. حتى لو كان الضحية من المعروفين بالشكيمة الفائقة والرهبة. مع الشرع كان الإعلام هو القاتل. مع الصايغ تصاغ الحقيقة على أن القتيل افترى على القاتل، وأن يتيم الأب هو قاتل أبيه. أن تتهم "الثورة" إسرائيل بقتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري فهذا ليس جديداً عليها وعلى أصحاب "الخطّ"، فهذه النغمة شنّفت آذاننا مطوّلاً.

لكن أن تتهم النائب سعد رفيق الحريري بأنه وراء قتل رفيق الحريري فهذا من الكبائر.

إنه اكتشاف تافه لا يبلغه إلا فكر سقيم، لا بل عقل عقيم. ما كانت الحاجة إلى لجنة تحقيق دولية وإلى القاضي الألماني ديتليف ميليس؟ نحن العرب دائماً نستخفّ بالأدمغة القطرية والقومية. هكذا بلحظة تجلٍّ حلّت "الثورة" اللغز: إسرائيل وورثة الحريري هما الطرفان المستفيدان من قتل الحريري. إذاً هما القاتلان.

منطق بسيط. سهل. لا يمتنع إلا على الخارجين على "الخطّ".

وبالإذن من صائغ "الثورة" نستعير منطقه السَلِس والبسيط والسهل الممتنع لنقول: إذاً هي إسرائيل وراء التمديد للرئيس إميل لحود. أليست هي المستفيدة جراء الضرر الذي تسبّبت به سوريا لنفسها حين تشبّثت بالتمديد؟

ولذاكرة "الثورة" فإن الرئيس الشهيد ونجله النائب سعد لم يضبط أي منهما يوماً يصافح مسؤولاً إسرائيلياً. "وماكينة إعلام الحريري" تمتلك إرثاً وسجلاً وطنياً وعربياً أسطع من أن تلوثه شهادة إعلام يشهد العالم على أنه ما زال من مخلفات الستار الحديدي.

كنا نتوقع أن تشهد الأيام المتبقية على تقرير ميليس مفاجآت عدة. لكن مع "الثورة" بالأمس بتنا نرى العجائب، مع أنهم يجهرون بأن التقرير لن يتضمن شيئاً، وبالمقابل فإن ما يقولونه ويفعلونه إنما يؤكد عكس ذلك.

والمشكلة الحقيقية أن كلام "الثورة" لا يمكن التعامل معه كموقف خاص بصاحبه، بل وكما يعرف الجميع إن ما يكتب في الصحف السورية إنما يعبّر عمّا يريد النظام الجهر به. فهل هذه حملة تخوين جديدة كتلك التي روّجها دعاة "الخطّ" قبل اغتيال الشهيد رفيق الحريري ليبشّرونا بمقتلة عظمى ثانية؟

هل صار الإعلام اللبناني عموماً و"إعلام الحريري" خصوصاً على اللائحة.. على لائحة الدم؟

إن شاءت "الثورة" إرهابنا فإن زمن الترهيب مضى، لكننا في الوقت نفسه لا يسعنا إلا التعبير عن الارتياح كونها خففت عنا عبء انتظار تقرير ميليس، وأتتنا بالحقيقة، كل الحقيقة، بفضل المحقق ـ القاضي فايز الصايغ الذي تولى دور ديتليف ميليس، وعرف الحقيقة من دون حاجة إلى تحقيق واستجواب وتجميع أدلة وشهود ومشتبه بهم.

شكراً لك "ميليس الثورة".

مصادر
المستقبل (لبنان)