مهداة إلى الاستاذ فاروق الشرع الذي اتهم الإعلام اللبناني بالتسبّب بانتحار غازي كنعان

"هتلر" كان غازي كنعان؟ أم عبد الحكيم عامر؟

ذاك انتحر، بعدما كان قد طوّع نصف الدنيا، ثم شاهد "الحلفاء" ينتصرون على جيوشه الغازية، ولما تقاسموا عاصمته برلين آثر أن يموت على أن يبقى للهزيمة شاهداً حيّاً.

أما "المشير" عامر، ففقد، بحكمه لها، سوريا التي كانت هي قد فرضت على عبد الناصر إنشاء "جمهورية عربية متحدة"... ولم ينتحر لما ودّعه الجيش السوري في مطار دمشق... بل ذهب يقود حرب حزيران 1967، فلما كانت الهزيمة التي لا يزال بعضنا يصفها بـ"النكسة" (ترضية للذات!!!) اضطر الى الانتحار انما بصمت بليغ من غير ان يتسنى له (او هو يشاء) اعطاء تصريح أخير لأية إذاعة او جريدة!

يمكن واحدنا أن يستمر في المقارنات، فيستذكر، من الجمهورية السورية (البعثية منذ 1963)، انتحار عبد الكريم الجندي، المدير السابق للمخابرات العامة، في آذار 1969، ثم في ايار 2000 محمود الزعبي رئيس الوزراء آنذاك الذي فضّل "الانتحار" على التوقيف بتهمة الفساد، وكان قائد الشرطة في طريقه الى منزله للقبض عليه.

المقارنات لا تصحّ دائما.

ولكن... كان في غازي كنعان شيء من هتلر، وشيء من ضمير الزعيم الالماني عند اختياره الانتحار بعدما شاهد "امبراطوريته" اللبنانية تنقلب على حلمه لها وحلم الرئيس حافظ الاسد بأن يأتي يوم يختار فيه الشعب اللبناني بملء ارادته الاتحاد مع الشعب الشقيق، فتصير سوريا ولبنان دولة واحدة لشعب واحد... مما يذكّر بالشعار الهتلري: "زعيم واحد، لشعب واحد، في دولة واحدة".

نستمرّ في المقارنات؟

في حالة "انتحار" غازي كنعان، لم تكن شرطة مكافحة الفساد هي التي تطارده... كان شبح "صديقه" الشهيد رفيق الحريري، ومن خلفه القاضي الالماني المكلف تحقيقا دولياً في اغتيال حلم لبناني كبير هو الحرية والاستقلال، طلباً لمعرفة "حقيقة" حرّكت المطالبة بها الشعب اللبناني بأسره في مواكب أخرجت الجيش السوري من لبنان، بدل أن تلبّي نداء الرئيس حافظ الاسد الى الوحدة "الطوعية" الكبرى!!!

أفلم تكن حقيقة "الخيبة" أكثر تعذيباً لمن اؤتمن على الحلم، وظنّ أنه بنى له الأسس الوطيدة وحاك الوشائج المتينة، فإذا بالحلم يصير كابوساً، والأساسات ركاماً، والوشائج خيوط عنكبوت، على رغم عشرات الملايين المتبادلة، التي تحدثوا عنها والتي لم يتحدثوا بعد؟... والأهم: على رغم القتلى والمعتقلين، وتبادل الغش والغدر، والتزوير والخيانات... ولم يكن غازي كنعان وحده مسؤولاً ولا سوريا كانت وحدها المسؤولة!!!

حقيقة "الخيبة" وأسبابها والمسؤوليات حملها معه غازي كنعان الى قبره الذي سيتكلّس في قريته المتواضعة في الجبل العلوي الشامخ... تُرى هل ترك مذكرات تحكي؟ من يعرف؟

تبقى "الحقيقة" الأهمّ، وهي: مَنْ شارك في اغتيال الرئيس الشهيد الرفيق، ومَنْ أمر مَنْ، ومَنْ دبّر التآمر على مَنْ، وكيف، ولماذا؟

هذه الأسرار، نخشى ان يكون "انتحار" الغازي كنعان قد قطع طريق بلوغ مكامنها وأسرارها، لا لأنه كان شريكاً أو مدبراً، بل لأننا لا نستبعد أن يتوقف المحققون عند شهادة حبلى بالشهادات الأصغر منها والأكبر، فتنتقص صورة "الحقيقة"، فيصير التقدم في التحقيق يميناً او يساراً، نزولاً او... صعوداً(؟!) من المستحيلات.

ويبقى للتاريخ، لا للقاضي ميليس، ولا لمجلس الأمن ولا للرئيس البشار، أن يحددوا هوية "الخونة المتآمرين" (والتعبير للرئيس نفسه) الذين "يستحقون المحاكمة والإعدام".

وسيرحم الله اللواء غازي كنعان، لأنه رحوم رؤوف.

فليرحمه أصدقاؤه بالصمت والسكون!

مصادر
النهار (لبنان)