حين استمعتُ إلى التصريح الأخير للّواء غازي كنعان الذي أدلى به إلى الزميلة وردة الزامل في إذاعة <<صوت لبنان>>، انتبهتُ الى أنّها المرّة الأولى التي أسمع فيها صوت هذا الرجل. فاللواء الذي حكم لبنان طويلاً، لم يكن بحاجة إلى كثير من الكلام. وعلى أيّ حال، لم يكن بحاجة إلى أيّ نوع من الكلام معنا نحن، المواطنين اللبنانيين. لا حاجة لإخبارنا بشيء. ولا قدرة لنا على محاسبته على أيّ شيء. إنّه خارج حياتنا السياسية. إنّه مهندسها فحسب.

هكذا كنّا نحن، المواطنين اللبنانيين، نستمع إلى الكثير من الأصوات خلال نشرة أخبار واحدة. لكنّ صوت غازي كنعان لم يكن بينها. وعلى الرغم من ذلك، كنّا جميعاً نعلم أنّ غازي كنعان حاضر، بقوّة، في كلّ ما نشاهده أمامنا. هو من اختار الديكور، وهو من اختار الملابس، وهو من اختبر الممثلين، فصنع من بعضهم أبطالاً وحوّل الآخرين إلى مجرّد <<كومبارس>>. إنّ كلّ من كتب سطراً، كلّ من تلا نشرة أخبار، كلّ من قام بتصريح، كلّ من عقد اجتماعاً، كلّ من ترشّح إلى منصب... لا بدّ أنّه قد فكّر للحظة أو أكثر بغازي كنعان. وإن اختار هو ألا يفكّر، كان هناك دائماً من يدعوه إلى التفكير، أو من يتّهمه بانعدام الفكر.

لقد حوّل غازي كنعان عنجر إلى عاصمة لبنان السياسيّة. ثمّة من رأى في ذلك تفصيلاً أمام المعركة القوميّة الكبرى. تلك المعركة التي كان كنعان، كما أحبّ أن يذكّرنا وليد جنبلاط، فتاها الأغرّ: من <<معركة الجبل>> إلى <<6 شباط>> إلى <<إسقاط اتّفاق السابع عشر من أيّار>> إلى <<وضع حدّ لحروب الميليشيات العبثية>> إلى <<معركة سوق الغرب العام 1989>> إلى <<13 تشرين الأوّل العام 1990 الذي أزال التمرّد>> إلى <<دعمه المطلق للمقاومة الوطنية والإسلامية>> إلى <<عدم الترحيب بالتمديد>>. إنّ هذه ليست رواية وليد جنبلاط وحده. إنّها رواية كلّ الأطراف اللبنانيّة التي كان صعودها السياسي متلازماً ومترابطاً مع إحكام القبضة السورية على لبنان. وهي الأطراف التي لم تقلقها القبضة السورية، بل أقلقها زوال نِعَم تلك القبضة عنها حين استُبدِل غازي كنعان برستم غزالة. قد يكون كلّ ذلك مقبولاً لو لم يكن وليد جنبلاط، ورفاقه من أصحاب الرواية نفسها، قد نصّبوا أنفسهم قادة لانتفاضة شعبية قيل يومها إنّها تسعى إلى الحرية والاستقلال والتخلّص من <<الوصاية السورية>>. إن كان هناك من وصاية سورية على لبنان، فهي حتماً لم تبدأ مع رستم غزالة. وإن كان ثمّة تعارض بين السيادة والديموقراطية وبين التحالف مع سوريا، فإنّ هذا التعارض لم يولد حين حلّ بشّار الأسد مكان <<حافظ الأسد ورفاق حافظ الأسد>>. إنّ الحكم <<الجديد>> في سوريا لا يحمل في جعبته العديد من الإيجابيّات، لكنّ ذلك لا يعني أنّ لبنان (وسوريا) كان ينعم بالعزّ في زمن <<الحرس القديم>>. إن <<الحرس القديم>> لم يُسمَّ كذلك إلا لأنّه <<حرس>> ولأنّه <<قديم>>. ثمّة من يريد منع الهواء عن النوافذ. يترحّم على غازي كنعان ليشتم رستم غزالة. ويترحّم على الياس الهراوي ليشتم إميل لحّود. ويترحّم على حافظ الأسد ليشتم وريثه بشّار.

بالمناسبة، أين أصبح مفتاح مدينة بيروت؟ هل كان من ضمن الاتّفاق الذي جرى بين رفيق الحريري وغازي كنعان أن يحتفظ ورثة كنعان بالمفتاح بعد رحيله، أن يعيدوه إلى أهل المدينة، أم أن يدفنوه تحت التراب؟

مصادر
السفير (لبنان)