لسنا هنا لتعريف القارئ بشخص المرحوم ولا بإنجازاته علي كافة الصعد، بدءا بتسلمه فرع الاستخبارات العسكرية في مدينة حمص، ثم تسلمه الملف الأخطر: لبنان، ثم عودته ليكون المسؤول عن أمن سورية السياسي قبل أن يتوج وزيرا للداخلية..!! وكأول وزير للداخلية في سورية يتم فيه خرق الترتيب الذي أعده الرئيس الراحل حافظ الأسد، والذي عوّد الشارع السوري أن وزير الداخلية السوري يجب أن يكون سوريا سنيا ..!!وبذلك يكون المرحوم أول عسكري من المجموعة العسكرية الحاكمة نفسها! هذا المؤشر كنا قد كتبنا عنه سابقا إنما يعبر عن التوجه الإصلاحي للسلطة في سورية! بحيث تم إلغاء التحاصصية الطائفية الشكلية التي كانت سائدة علي دور الرئيس الراحل .. فأصبح كل رؤساء الأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية أيضا هي من إختصاص هذه المجموعة ..! وبذلك أصبحنا أمام: نمطية خاصة من جيش عقائدي طائفيا أو جيش طائفي عقائديا.. وجهاز أمني يخدم هذه العقائدية السلطوية: وليست العقائدية البعثية وهذه قضية علي خطورتها في سورية وعلي سورية إلا أنها غير معروفة أو يتم تجاهلها عند الحديث عن سورية ..!وعن علمانية السلطة في سورية لدي الغرب أو عن قومية الموقف السوري لدي المثقف القومي الراكض وراء وهم.

في هذه الحركية الخاصة جدا للسلطة التحديثية، ولملمة البيت السوري علي هذه الشاكلة من الخوف والتقوقع طائفيا علي المستوي الأمني والعسكري: خوف السلطة من الداخل السوري والسلطة عندما تصل إلي هذه الدرجة من الخوف، تدرك أن عدم شرعيتها يتطلب إجراء أكثر مركزية ومركزة للجهاز القمعي عموما والأمني خصوصا.. بيد رموز هذه السلطة، سواء كانت العائلية أو العشائرية أو الطائفية . وهذا ما حدث في سورية: الإصلاح والتطوير والتحديث .. إذن في هذه الحركية جاء غازي كنعان من داخل البيت السلطوي وحافظ أسراره في لبنان وسورية معا.

ولم يعد يهمني كمواطن سوري قضية كشف الحقيقة في مقتل المرحوم رفيق الحريري، أو جورج حاوي، أو سمير في عمر العطاء الحر والديمقراطي . بل ما يهمني في الواقع أن هذا الانتحار أو النحر، كما يكتب بعضهم .. لم يأت في غفلة من السلطة بل في يقظة هذه السلطة التي باتت: لاتمتلك الجرأة في النظر إلي نفسها في مرآة .. والنكتة التي أتحفنا بها عماد فوزي الشعيبي أحد المقربين من النظام في سورية علي قناة الجزيرة : الكآبة سبب الانتحار ..!!دولة في ست سنوات ينتحر رئيس وزارئها، ثم ينتحر وزير داخليتها ..!!يبدو أنها نتيجة لحضور الضمير الأخلاقي في العمل الوزاري مما يسبب هذه الكآبة الانتحارية ..!!وتعالوا لنر الفضاء الذي تم فيه هذا الانتحار: بداية تقرير ميليس واستطالاته .. خوف السلطة وإرتباكها .. سوء علاقات سوريا إقليميا ودوليا وهذه أول مرة في تاريخ سورية، حيث وصلت الأمور أن سورية وحيدة مع سلطة أحادية.. حتي الاتصالات الجارية تجري في سرية تامة ..لأن الوسطاء لم يعودوا قادرين علي تحمل تبعة العلاقة العلنية والعادية مع هذه السلطة .. كما كان يتوسط الرئيس الراحل حافظ الأسد بين العرب وإيران في قضايا كثيرة .. هذا الفضاء الانتحاري يؤشر علي ولادة يقين في الشارع السوري علي تورط هذه السلطة ..!! حتي ولو لم تكن متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكن كنعان رمزا عسكريا وأمنيا وطائفيا قويا في سورية، واسما ترتجف ركب السوريين عند ذكره ..ينتحر هكذا ببساطة بسبب الكآبة كما أوضح لمشاهدي الجزيرة الدكتور عماد فوزي الشعيبي . عنوان يصلح لمقالة مستقلة: غازي كنعان انتحر لأنه مر في حالة اكتئاب ..!هذا التحليل هو الذي يقود الآن المواقف القومية للسلطة في سورية ..!!وهو الذي يقود التحديث والتطوير، وهو الذي يؤسس لمرحلة سورية جديدة عنوانها: الوزراء السوريين والإكتئاب .. وبالعودة للمواطن السوري الذي يرتعد الآن خوفا علي مصير بلاده بين يدي حفنة من السوداويين ــ المصابون بوساس قهري عصابيا !! ــ إنها النكتة المأساة ياسيدي .. إرحموا شعبا.. لكثرة الذل والكذب بات يصدق أنه أمام قدر أحمق الخطي كما يغني الراحل عبد الحليم حافظ..!

لا أظن أن المرحوم كان من النوع الذي يمكنه أن يصاب بالكآبة . وهذا شك بالتأكيد.. لكنه أوصلنا إلي يقين كمواطنين سوريين: أن سورية في خطر وتحتاج إلي حماية المجتمع الدولي ورعايته .. كي لايصاب كل الشعب السوري بهذا الداء: الكآبة..

بعد هذه اللوحة السريعة لايمكن إلا أن يصاب المجتمع الدولي والرأي العام العالمي بداء اليقين أن في سورية الآن: خطر علي سبعة عشر مليون سوري .. لأن السلطة متورطة حتي نقي العظم ولا تهم بعد هذا الانتحار نتائج ميليس أو غيره من القضاة..

مصادر
القدس العربي (المملكة المتحدة)