لا يعيش الرئيس الأميركي جورج بوش وضعاً داخلياً مريحاً. ان صورته من داخل الولايات المتحدة ليست هي تماما الصورة التي يحاول تقديمها إلى الخارج وإلى العرب والمسلمين تحديداً. انه، اليوم، رئيس ضعيف من وجهة نظر الأميركيين. لكنه، في الوقت نفسه، <<رئيس حرب>> يتحكم بأقوى قوة في تاريخ البشرية.

قد يضطر بوش، وهو مضطر، إلى اجراء تسويات داخلية أو حتى التنقل بين خيار وآخر على التباين بين الخيارين. إلا انه لا شيء يوحي انه جاهز نفسياً لمثل هذه التسويات مع الخارج. وهو يصر، متى واجه مشكلة، على إنكارها ببساطة والمضي في سياسته. ولنا ان نتوقع الاحتفالات التي سيقيمها بعد الاستفتاء على الدستور العراقي. ستذكرنا بتلك التي حصلت بعيد الانتخابات وذلك في انتظار ان تعيدنا التطورات العراقية إلى الواقع الأليم. تعيدنا من غير ان تعيده.

لقد كان خطاب بوش في 6 تشرين الأول نموذجاً عن العناد الذي يميز الرجل. أعلن في الكلمة التي أرادها تاريخية ومفصلية ان المعركة الكونية مستمرة بين الخير والشر. الخير الذي مثلته وتمثله الولايات المتحدة والشر الذي مثلته النازية مرة، والشيوعية بعدها، والفاشية الإسلامية هذه المرة. لقد أطلقت تفجيرات 11 أيلول شرارة الحرب وتبين ان العدو الجديد يريد بناء امبراطورية توتاليتارية تمتد من اسبانيا إلى أندونيسيا. ومع ان هذا العدو <<شبكة>> ومع انه لا يملك جيشاً أو قيادة موحدة فهذا لا يقلل من انه، كما من سبقه، يريد دمار الحضارة الإنسانية وفرض رؤيته على البشر. العدو الجديد، حسب بوش، يسعى إلى ملء أي فراغ وذلك انطلاقاً من أرض المنازلة التي هي العراق. لذا فإن مصير البشرية متوقف على هذه المواجهة، والعالم كله ينظر إلى نتائجها. الهزيمة فيها ممنوعة لأن انتصار الخصم فيها سيواكب جماهير المسلمين، وسيقود إلى اسقاط دول أخرى، وسينشأ عالم خاضع للابتزاز والظلامية يهدد سلامة دول مثل إسرائيل.

يساوي بوش بين أبو مصعب الزرقاوي وبين كل من هتلر وستالين وبول بوت (لو كان هتلر بقوة الزرقاوي لما حصلت الحرب العالمية الثانية اصلاً!)، ويكرر رفضه التمييز بين الإرهابيين والدول الداعمة لهم مثل إيران وسوريا. يخلص إلى تعريف القرن الحادي والعشرين بأنه قرن هذه المعركة، ويستند إلى نجاحاته في العراق وأفغانستان ليجزم بأن الفوز محتوم.

لهذا الخطاب أسبابه الداخلية طبعاً. إلا انه رسالة إلى العالم وإلى المنطقة تحديداً تقول ان بوش ماض في مغامرته العراقية ومصر على مدها في الزمان، وفي المكان، إلى الجوار العراقي المباشر (إيران وسوريا) وإلى حلقات أخرى.

إذا كانت الوجهة التي يحددها بوش تحتمل تسويات تكتيكية فهذا لا يعني اطلاقاً ان الرجل وصل إلى الخلاصات التي تجعله يغير رؤيته ويدخل في منعطف جديد. ان ما يقوله هو ان الولايات المتحدة يمكنها ان تنتكس أو تضطر إلى هدنة إلا انها عازمة على استئناف الهجوم، كما ان الإدارة الحالية ستورث أي خليفة لها ما يضعها أمام الاضطرار إلى استكمال المهمة حتى لو ادخلت تعديلات عليها (ما يقوله، اليوم، المرشحون الديموقراطيون الرئيسيون للانتخابات الرئاسية القادمة يعزز هذا الانطباع).

إذا كان صحيحاً ان هذا ما يعنيه الرئيس الأميركي، وهو صحيح، فإن من الضروري وضع اليد على الثغرة الجوهرية في <<الاطروحات البوشية>>.

إن حرباً بهذه الأهمية، وهذه المركزية، وهذا الاتساع، وهذا الشمول، وهذه المصيرية، إن حرباً كهذه لا يمكن لها ان تخاض حتى النصر بالامكانيات الواقعية التي يضعها جورج بوش في خدمتها. لقد وضعت الولايات المتحدة امكانيات أكبر بما لا يقاس في حربها ضد هتلر والنازية. وكذلك فعلت ضد ستالين والمعسكر الاشتراكي. إن المقارنات في هذا المجال توصل إلى استنتاج صارخ في وضوحه: إما ان الرئيس يكذب او ان الرئيس يهذي.

لم يعط بوش، حتى الآن، إشارة واحدة توحي انه ساع إلى ملاءمة الامكانيات مع الأهداف. فهو ماض في تقليص الضرائب، وماض في تقليص الجيش، وماض في الرفع البطيء جداً للميزانية العسكرية (أقل كثيراً مما كانت عليه زمن <<الحرب الباردة>>). وهو ممتنع عن ملامسة فكرة العودة إلى التجنيد الإلزامي في ظل التناقص في عدد المتطوعين للانخراط في الجيش المحترف. ولقد بات محسوماً ان هوة كبيرة تفصل الأهداف عن الامكانات.

يعني ما تقدم ان التناقض كبير بين مشروع كوني ممتد لأجيال ومستوحى من <<المحافظين الجدد>>، وبين طاقات يوفرها الطاقم الحاكم وتحديداً جناحه المؤلف من <<المحافظين التقليديين>>.

إن الثغرة الناجمة عن هذا التناقض هي ما نشهده في العراق. إلا انها ستتسع أكثر إذا أضيفت ساحات مواجهة أخرى وحتى لو نجحت المحاولات لتحييد كوريا الشمالية وإيجاد علاج دبلوماسي لسلاحها النووي. وليس سراً ان الدولتين الخصمين اللتين يسميهما بوش، إيران وسوريا، تعرضان تسويات يرفضها بوش ولكنهما ترفضان شروطاً يمليها. فطهران ترى ان المعروض عليها، حتى الآن، لا يتناسب مع تقديرها لموقعها وقوتها وحقها. ودمشق ترى ان رفض واشنطن اقتراح أي تسوية عليها لا يوفر لها غطاءً أو مخرجاً للتراجع. والمقصود ان الدولتين المستهدفتين تسندان المطالبة بعروض ذات حد أدنى من <<المقبولية>> إلى تقديرهما بأن الإدارة لا تملك جواباً راهناً على الثغرة بين ما ترغب فيه وما تستطيع الاقدام عليه. إن السياسة الأميركية المعلنة حيال جاري العراق تستلزم أدوات لتنفيذها لا تبدو الإدارة، شكلاً، مالكة لها: قوة عسكرية فائضة، بدائل سياسية، قدرة إنفاقية، قوى شعبية موالية، حركة اعتراضية واسعة. إن <<مجاهدي خلق إيران>> وفريد الغادري مهزلة لا تعوّض نقص القدرات الأميركية. لا بل مهزلة بالقياس إلى معارضة المنافي العراقية السابقة.

ما هو، في هذه الحال، المخرج المفترض للتناقض المتسع بين الكلام الأميركي الكبير والفعل الممكن والمحدود؟ هل نحن، فعلاً، أمام سياسة خرقاء إلى حد بعيد تذكرنا، أكثر من أي شيء آخر، بسياستنا العربية الرسمية الخرقاء حيث أمضينا عقوداً نطلق صرخات الحرب، مثل الهنود الحمر، ولا نعد لهذه الحرب، فنلقى مصير الهنود الحمر؟ يصعب، في الحقيقة، ان ننسب إلى المؤسسة الأميركية الحاكمة، مهما اعمتها الأيديولوجيا، ما ابتلينا به. لكن من حقنا ان نتردد بعض الشيء في اقتراح جواب لأن الجواب الوحيد المقترح يقترب من ان يكون <<فرضية رؤيوية>>.

تقول هذه الفرضية ان بوش جدي جداً في ما يعلن. وتقول أيضاً انه قد يقدم على استخدام القوة المتاحة له من أجل تحقيق الأهداف الكبرى التي يتبناها: إلحاق الهزيمة الكونية بالإرهاب والدول الداعمة له.

غير ان السؤال، هنا، هو: ما هي هذه القوة المتاحة بالضبط؟ الجواب <<الرؤيوي>> من مستويين. الأول هو ان بوش <<يملك>> قوة احتياطية في المنطقة هي إسرائيل. قد يكون لها دور لاحق يتجاوز ما تمارسه حالياً حيال الفلسطينيين أساسا وحيال غيرهم استطراداً. إلا ان المستوى الثاني هو ما تجدر الإشارة إليه. لقد اعتنقت الإدارة الحالية مفهوم <<الحرب الاستباقية>>. إلا انها أقدمت لاحقاً على تطويرها وتشذيبها. تشذيبها من ان تكون مرتبطة، حكماً، بفكرة <<إعادة بناء الأمم والدول>>. وتطويرها من أجل اعتماد ما تسميه وزارة الدفاع الأميركية رسمياً: الضربة النووية التكتيكية الاستباقية. يستطيع أي مواطن عربي ان يقرأ أدبيات هذه العقيدة المعتبرة ذروة ما يراد ل<<الثورة في المجال العسكري>> ان تصل إليه بحيث تحل هذه الأسلحة محل القوات التقليدية. ويمكن لهذا المواطن، إذا كلف نفسه هذا العناء، ان يلاحظ، بسهولة، ان اسمي إيران وسوريا مدرجان على لائحة قصيرة من الدول القابلة للاستهداف. يمكنه، أيضاً، ان يلاحظ شبهاً خطيراً بين ما تورده العقيدة من حالات تستوجب اللجوء إلى <<النووي التكتيكي الاستباقي>> وبين التهديدات التي تزعم الإدارة ان إيران وسوريا تمثلانها.

انها <<فرضية رؤيوية>> طبعاً. لكنه جورج بوش. أي الرئيس الأميركي الذي أعلن على المنطقة حرباً تمتد لأجيال.

مصادر
السفير (لبنان)