رفإن خيبة الأمل بالقوى السياسية الألمانية تبقى في محلها، حتى أن إحدى الرسائل التي بعث بها مراسل الشؤون الألمانية من برلين إلى صحيفة ’’الهيرالد تريبيون’’ حملت العنوان التالي: ’’خيبة الأمل هي القوة المحركة لهذا البلد’’• ذاك أن المستشار الاشتراكي الديمقراطي غيرهارد شرودر وائتلافه مع البيئويين الخضر تسببا بخيبة دفعت بعض مؤيديهما التقليديين للتصويت إلى المسيحيين الديمقراطيين وإلى حزب اليسار الجديد• والحال أن شرودر لم يصل أصلاً إلى الحكم إلا بسبب خيبة الأمل بالمستشار المسيحي الديمقراطي السابق هيلموت كول•

وهكذا دواليك يمكن العودة إلى الوراء، بحسب سفن ألنكاسب مراسل ’’الهيرالد تريبيون’’، وصولاً بالقهقرى إلى •1964 ففي العام المذكور تلقّت ألمانيا (الغربية فقط آنذاك) الصفعة الأولى بإعلان المستشار حينها لودفيغ إيرهارد عن وصول ’’المعجزة الاقتصادية’’ لما بعد الحرب العالمية الثانية إلى نهايتها• وقد رتّب هذا التقييم خفضاً في الإنفاق الرسمي كان الأول من نوعه منذ ابتداء التعمير والبناء• كذلك راح الألمان يعرفون البطالة التي راحت تتنامى سنة بعد سنة وعهداً بعد عهد إلى أن كانت إعادة التوحيد مع ألمانيا الشرقية، فابتدأت الدولة تئن تحت أعباء الأكلاف الاقتصادية الهائلة التي تكبّدتها، فيما انكمش النمو ليتراوح بين 1 و2 في المئة فحسب• ولولا اتباع غيرهارد شرودر سياسة شعبية من حرب العراق، لكان من السهل أن نفترض سقوطه قبل عامين أو ثلاثة أعوام• لاشك أن وضعاً كهذا يخلق في العادة مناخاً شعبوياً واسعاً يقدم على اتهام السياسيين إما بإحداث المشكلة، أو بالكذب والوعود الزائفة في ما يتعلق بتذليلها• وهو ما عرفته ألمانيا أيضاً (مثلما عرفته - ولو بدرجة أكبر بكثير - إبان جمهورية فايمار)• وقد كان في وسع القائدة الجديدة للمسيحيين الديمقراطيين، أنجيلا ميركيل، أن تستثمر المناخ هذا ضد شرودر كما استخدمه هو نفسه من قبل ضد معلّمها كول• بيد أن عوامل عدة حالت دون ذلك منها ما يتعلق بشخصية ميركيل وقلة خبرتها، وأهمها اعتمادها بول كيرشوف مستشاراً اقتصادياً لها• وقد حملها كيرشوف هذا على اعتماد مبدأ ’’الضريبة المسطّحة’’ ليكون جزءاً من برنامجها، وهو ما يقضي بالمساواة بين الضرائب الفردية والاستهلاكية وضرائب الشركات وتثبيتها جميعاً عند نسبة مئوية معيّنة• وغني عن القول إن المبدأ المذكور، فضلاً عن لا عداليته، يصطدم اصطداماً رأسياً بالحس الشعبوي في إحدى لحظات احتدامه•

والراهن أن الانتقادات لميركيل بدأت تصدر عن ائتلافها نفسه، فعبّر عنها، بين من عبّروا، هاينر غيسلر، الأمين العام السابق لـ’’الاتحاد المسيحي الديمقراطي’’، حزب ميركيل• أما الحلفاء في ’’الاتحاد المسيحي الاجتماعي’’ في بافاريا الكاثوليكية فكان تحفظهم أكبر لسببين واضحين: أولهما، الخوف على أصحاب المصالح الصغرى من آثار ’’الضريبة المسطّحة’’ التي تخدم مصالح كبار الأغنياء• والثاني، كون ميركيل امرأة وبروتستانتية في آن معاً، وهو ما لا تستسيغه كثيراً المشاعر الرجعية الواسعة، الكاثوليكية والذكورية، في بافاريا•

هكذا بدا المسيحيون الديمقراطيون الألمان وهم يتقدمون من الانتخابات مترددين ومتعثّرين، وبدأ يظهر من يرسم لهم أفقاً يشابه الأفق المسدود لرفاقهم المسيحيين الديمقراطيين الطليان ممن فقدوا جاذبيتهم الشعبية، وتحولوا عدداً من اللوبيات الصغيرة لخدمة كبار أصحاب المصالح• أما الاشتراكيون الديمقراطيون والخضر فظهروا، بعد سبع سنوات قضوها في الحكم، وكأن جعبتهم قد فرغت تماماً من كل خيال، أو حتى من كل قدرة على الوعد•

وقد انهارت الموافقة الشعبية على سياسات اليسار الحاكم، فتراجع الاشتراكيون الديمقراطيون في استقصاءات الرأي العام، خلال العامين الماضيين، بنسبة 10 في المئة، فيما غادر الحزب قرابة 200 ألف عضو• والواقع أن الاشتراكيين الديمقراطيين مثلّوا، حسب ما كتب مايكل نومان ناشر مجلة ’’داي زايت’’، أفضل أجزاء التاريخ الألماني طوال 140 عاماً• وبعد الحرب العالمية الثانية كان قادتهم يخرجون من معسكرات التجميع النازي، أو يعودون من المنافي، على ما كانت حال ويلي برانت، للمشاركة في إعادة بناء دولة منهارة على أسس من العدالة الاجتماعية والحرية• بيد أن السنوات القليلة الماضية حملت إلى الحزب تناقضات من نوع جديد غير معهود: فمصالح جمهوره، وجلّه من العمال وذوي الدخول الصغيرة المستفيدين من توسّع القاعدة الصناعية، بدأت تصطدم بالمشروع السياسي لساسة الاشتراكية الديمقراطية• فإذ اهتمّ الأخيرون بمدى تنافسية الاقتصاد على نطاق عالمي، وبترحيل بعض الصناعات إلى بلدان قليلة الأكلاف (out-sourcing)، كان الأولون يزدادون اعتماداً على نظام تقديمات اجتماعية موسّع ومكلف، بحيث يبلغ معدل سن التقاعد 59 عاماً بينما لا تكفّ مترتبات الضمان الاجتماعي عن التعاظم بموجب التنامي في متوسط المداخيل• وقد بلغ الصدام إحدى ذراه بعد إعادة انتخاب شرودر، للمرة الثانية، عام 2002: فقد تقدّم برزمة قوانين جديدة اقترحها رئيس جهاز الموظفين في شركة فولكسفاغن للسيارات، بيتر هارتز• وبدا الهدف الأساسي للرزمة الحد من البطالة عبر اجتذاب بعض العاطلين الذين يعيشون على تقديمات الدولة إلى سوق العمل• والحق أن شرودر حين وصل إلى المستشارية، للمرة الأولى، أواخر ،1998 وعد بخفض البطالة من ثلاثة ملايين إلى مليونين على الأقل• لكن عدد العاطلين بلغ، أوائل ،2005 خمسة ملايين! وكانت هذه الصدمة الجماعية الحافز الأكبر على تذكّر جمهورية فايمار• وقد كمن في خلفية الصدمة هذه عدد من العوامل البارزة: فهناك، أولاً، العولمة وترحيل الصناعات، حتى أن السيارات ’’الألمانية’’ التي تُنتَج الآن خارج ألمانيا تفوق تلك التي تُنتَج داخلها• وثانياً، طرح تسارع المكننة في الإنتاج الصناعي الألماني، والذي جعل ألمانيا تتفوّق في التصدير على الولايات المتحدة واليابان، عشرات آلاف العمال والمهندسين القليلي التأهيل في سوق البطالة، ويتشكل أغلب هؤلاء ممن يتجاوزون الخمسين• أما ثالثاً، فهناك الأعباء التي لا تزال ترتّبها الوحدة مع الشرق، خصوصاً في ظل التخلف النسبي في كفاءات العمالة هناك•

في هذه الغضون فإن الحركة النقابية التي تراجعت عضويتها بسرعة ودرامية، فقدت ولاءها التلقائي للاشتراكيين الديمقراطيين، من دون أن تنحاز إلى المسيحيين الديمقراطيين (رغم ارتياحها إلى تحفظ الأخيرين عن أوروبا)• وعلى يسار حزب شرودر، التقى بقايا الشيوعيين السابقين في ألمانيا الشرقية والقطب الاشتراكي الديمقراطي السابق أوسكار لافونتين الذي استقال، في ،1999 كوزير للمالية• وقد نجم عن هذا اللقاء تأسيس حزب جديد يساري، وشبه قومي، تمكّن من إحراز ما يفوق الـ8 في المئة من مجمل الأصوات• وقصارى القول إن الحزبين الرئيسيين وصلا إلى الانتخابات مهمّشين وشبه متعادلين في قوتهما، أو بالأحرى في ضعفهما• وهو ما لا يكفي للكلام عن جمهورية فايمار أخرى، لكنه قد يكفي للحديث عن ائتلاف بين عاجزين، تبقى ألمانيا، في ظله، ولسنوات سوف تلي، أسيرة الضعف وخيبة الأمل• وحين تظهر الدولة الأولى في الاتحاد الأوروبي على هذا النحو، فالأمر لن يكون خبراً ساراً لأوروبا وللمعوّلين على دورها في العالم•

مصادر
الحياة (المملكة المتحدة)