بالمصطلحات الطبية، يُعتبر حزب العمل كما يبدو من الاستطلاع الذي تُنشر معطياته هنا، جسداً من دون حياة. وبالمصطلحات السياسية، هو حزب فقد غريزة الصراع على السلطة. هو حزب لا يهتم به ليس قادته وكبار المسؤولين فيه فحسب، بل أعضاؤه والمنتسبون إليه أيضاً. هم لا يؤمنون به، بمستقبله، بفرص نجاحه. بالنسبة إليهم، يمكن إغلاق هذه البسطة.

بعد أقل من شهر ستجري الانتخابات التمهيدية في حزب العمل. في أي حزب طبيعي تكون الأيام الأخيرة للمنافسة أياماً تشهد حركة نشطة ومعارك شوارع بين النشطاء. لكن في حزب العمل يسود صمت مطبق. ليس بسبب الأعياد فقط، وليس بسبب المتنافسين المحترمين فقط، بل بسبب الأعضاء الناخبين.

استطلاع الرأي "هآرتس ـ ديالوغ" بإشراف البروفسور كميل فوكس، حاول فحص موقف أعضاء حزب العمل من عدد من المواضيع الراهنة. مثل، من الذي يجب أن يكون رئيساً للحكومة المقبلة؛ أو هل يتعين على حزب العمل الانضمام الى قائمة برئاسة شارون، كما اقترح هذا الأسبوع وزير الداخلية أوفير بينس؛ أو هل يتعيّن على حزب العمل الخروج من الحكومة في وقت ما. ويمكن القول في حق الذين سُئلوا أن الإطار السياسي الذي ينتمون إليه بفعل الاشتراك الشهري لم يمنعهم من قول ما يختلج في قلوبهم. فالنتائج التي تظهر من هذا الاستطلاع جديرة بالعنوان الآتي: خذنا يا شارون.

هكذا، على سبيل المثال، سُئل المنتسبون الى حزب العمل عما إذا كانوا يؤيدون انضمام حزبهم الى قائمة جديدة، نظرياً في هذه المرحلة، بقيادة شارون، 46% أجابوا بشكل إيجابي، و44% كان جوابهم سلبياً. ومن المثير للاهتمام فحص ما يجري داخل الحركة الكيبوتسية الموحدة، والتي تجسّد عملياً حزب العمل بشقه المتطرف: اشكنازي، وسط ـ يسار من الناحية السياسية؛ ووسط ـ يمين من الناحية الاقتصادية ـ الاجتماعية. 50% من الذين سُئلوا في الكيبوتسات أجابوا إيجاباً.

سؤال آخر وُجه الى المنتسبين: من دون أي صلة بالانتماء الحزبي، من في رأيك يجب أن يكون رئيساً للحكومة المقبلة، شمعون بيريس أو آرييل شارون؟ هنا ظهر شبه تعادل: 39% مع شارون و43% مع بيريس. وإذا ما أخرجنا الأعضاء العرب من الصورة، فسيحظى شارون بالأغلبية. في الأسبوع الماضي، قال شمعون بيريس أن من الأفضل لحزبه البقاء في الحكومة الى حين انتخابات 2006 بعد سنة. فقد عرف بيريس أنه يسير على أرض آمنة بقوله هذه الكلمات، التي تتناقض والتقاليد السياسية السليمة التي تفيد أن الأحزاب المتخاصمة هي خصوم فعلاً. ويظهر من الاستطلاع أن 76.5% من منتسبي العمل يفكرون مثله. فقط 15.5% يعتقدون العكس. وحتى أن أغلبية واضحة في لواء الأقليات بالحزب (73%) تؤيد بقاء الحكومة حتى انتخابات 2006 هذا يطرح في الحقيقة علامة استفهام بشأن الركيزة الرئيسية في الحملة الدعائية الانتخابية التي يقودها عمير بيرتس، الذي يدعو الى الخروج الفوري لحزب العمل من الحكومة. وليس مؤكداً أنه اختار لنفسه الخط الصحيح طالما أن العرب، مؤيديه الرئيسيين، لا يوافقونه الرأي في هذا الشأن.

ثمة معضلة أخرى تواجه بيرتس: الى متى سيهاجم بيريس. فالهجوم الشخصي على الرجل الذي أحضره الى الحزب من شأنه إلحاق الضرر بالمهاجم، وهذا ما يعرفه بيرتس. من جهة ثانية، هو مضطر لتشديد المواقف. في هذه الأثناء، يفضل بيرتس معالجة رسائل بيريس (خطة اقتلاع الفقر، رغبته في البقاء بالحكومة)، وفي موازاة ذلك توجيه الضربات إليه بلطف. ويقول رجال بيرتس: "تخيّلوا أن يقول رئيس الحزب الديموقراطي في الولايات المتحدة أنه معني بأن يواصل بوش ولايته كرئيس". مسألة العمر لم تطرح في هذه الأثناء، لكن في كلام تلميحي لفيلنائي، الذي يذكر أمام المستمعين إليه خلال إطلالاته أنهم سيذهبون في التاسع من تشرين الثاني لانتخاب مرشح لرئاسة الحكومة سيتنافس بعد عام على المنصب الذي مُدّد لأربع سنوات. أنتم تدركون ذلك؟ يسأل فيلنائي، من دون أن يقول الكلمة الصريحة: 87 (عمر شمعون بيريس في نهاية الولاية). موقف الغربة والتحفظ الذي يبديه منتسبو الحزب تجاه حزبهم يبرز أيضاً في سؤال آخر: هل هناك في رأيك فرصة أمام حزب العمل للعودة الى السلطة في السنوات القريبة المقبلة، وتشكيل حكومة في إسرائيل؟ صحيح أن أغلبية الذين سُئلوا (58%) أعطوا رداً إيجابياً. لكن عند فحص توزع الإجابات نكتشف أن 20.5% منهم فقط قالوا إنهم "واثقون من ذلك"، فيما أجاب 37.5% منهم أنهم "يعتقدون ذلك".

يصعب تقدير من الذي يؤثر في الآخر ـ المنتسبون هم الذين يؤثرون في القادة، أم أن القادة يؤثرون على القاعدة ـ عندما يصل الأمر الى حد الاستهانة المطلقة أمام الليكود وشارون. الأمر لا يتعلق فقط باقتراح بينس، بالسير معاً، ولا بالخطوات غير المناسبة التي ينسجها حاييم رامون، نبي "الانفجار الكبير" لدمج الحزبين، ولا عزم وتصميم بيريس على البقاء في الحكومة حتى الانتخابات، ولا الرغبة المعلنة لسائر وزراء العمل بمواصلة جر العربة مع شارون، سيلفان شالوم، موفاز وتسيفي ليفني، كما لو أنه لا غد سياسيا. هذا الاندماج والاختلاط تجلى حتى في الأمور الصغيرة العديمة الأهمية ظاهرياً. ففي الأسبوع الماضي حصلت مناسبتان اجتماعيتان في الليكود، وهي مناسبات ليكودية صرفة. وقد تواجد الوزير اسحاق هرتسوغ من حزب العمل في المناسبتين. وفي المناسبتين التقى رئيس كتلة الليكود، عضو الكنيست جدعون ساعر، بالوزير هرتسوغ، فقال له: أما أنه لا يوجد لديكم مناسبات خاصة بكم، وأما أنكم قررتم المنافسة من داخل صفوف الليكود.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)