نقر بسبّابته على طاولة المكتب ساهماً مفكّراً وأشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانها وهو ينظر في سماء غرفته وقال في نفسه:

" كلّ الوثائق والقرائن والمؤيدات في هذه الإضبارة, تؤكد على براءته... لكنني لا أستطيع النطق بالحكم استناداً إليها... " يجب أن يُدان!"

نعم يجب ذلك. صحيح أنني قاضٍ, وأتمتع بصلاحيات تقديرية كبيرة, ولي حصانتي التي نص عليها قانون السلطة القضائية في المادة ( 92 ) منه.

ثم إن القاضي مستقل تماماً ولا سلطان عليه في قضائه لغير القانون. ولكن يا أخي مستحيل!.. لو لم يكن مرتكباً, بل مداناً, لما أُحيل إلينا؟!

وهل قلب حضرتنا على هذا الوطن, أكثر حرصاً من قلب حضرتهم عليه؟!

أووف..!

هواتف من أعلى القيادات, تنبّهني إلى ضرورة إيلاء هذا الموضوع ما يستحقه من اهتمام!

يا أخي لكنه بريء!... للمرة العاشرة أقرأ كامل الإضبارة, ولم أجد فيها شيئاً يدعو إلى تجريمه!!!

يبدو أنه من الأفضل لي التنحّي عن هذه القضية! فالمادة (186) من قانون أصول المحاكمات المدنية تجيز لي ذلك!

لكن, لربما شعروا بأنني متعاطف معه؟! من يدري! إنهم يلقطونها على الطاير!

يا عمّي لِمَ الخوف؟! أنا لم ألتق به سابقاً, ولا تربطني معه أية علاقة, أو قرابة, أو حتى معرفة...! أصلاً, لم أرتح له منذ مثوله الأول أمامي! فهو صموت, جادّ, متجهّم, عابس دوماً...لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب...

لكن يا أخي, والله بريء!!

الحقيقة, إن أفضل حلّ هو الاستقالة! نعم, إنه الحلّ الأمثل! سأستقيل وأعود إلى القرية, وأتسلّى بكتابة مذكراتي.. وأشبع هوايتي بالاستلقاء على الجرف الصخري قرب النبع وأستمتع بجمال الطبيعة...

ثم من يدري! فقد يأتي يوم, أستطيع من خلاله نشر هذه المذكرات في إحدى الصحف أو المجلات.. وسوف تدرّ عليّ ربحاً وفيراً..! أليس ذلك أفضل لي من انتظار قرار صرفي من الخدمة بحجة إصلاح الأداء القضائي ومكافحة الفساد!؟ لا سيما وأن صرفي سيكون دون توضيح للأسباب ودون إعطائي الحق بالطعن أو تقديم تظلم أو ما إلى هنالك من إجراءات قانونية..! وقد يتم إلقاء الحجز على أموالي المنقولة وغير المنقولة..

لا حول ولا قوة إلا بالله...

ولكن, لنفترض أنني سُئلْت عن سبب استقالتي! بماذا سأجيب؟! هل أفضح نفسي وأقول لهم بالعربي الفصيح: (عمّي! لست مقتنعاً بهواتفكم ولا بتوجيهاتكم, وليس بمقدوري إلاّ أن أكون نزيهاً عادلاً... وخاصة بعد زيادة الراتب ومضاعفة قيمة اللصيقة القضائية..)

أكيد عندها سيغضبون مني غضباً شديداً, وستكون الطامّة الكبرى... لا.. لا.. لم أجنّ بعد! يجب البحث عن حلّ آخر..

سأقوم بزيارة صاحب الهاتف الأقوى, وألمّح له, بأن صاحبنا لا شيء ضده, وكل الدلائل تشير إلى براءته, ما لم تؤمّنوا أدلّة حسّية أخرى: شهوداً, اعترافات.. وثائق جديدة تدينه... إلخ. وهل هم قاصرون عن تأمين ذلك؟! هه!

عندها سأضعهم في خانة (الْيكْ): إما موافاتي بما يدينه فعلاً, أو إن براءته ستكون مؤكدة. ولا ذنب لي في ذلك إطلاقاً.. يصطفلوا.. ما على الرسول إلاّ البلاغ!

تنفس الصعداء, ونهض من وراء مكتبه مدندناً: ترلم .. ترلم .. ترللّي! واتجه نحو المغسلة, ومعْجن أسنانه مدة ثلاث دقائق.. ورشّ عطراً كثيراً على كافة أنحاء جسده.. واستلقى قرير العين.