لقد أضافت الهزة الأرضية التي ضربت باكستان مؤخراً، نكبات وكوارث جديدة للعالم الإسلامي بأسره• فبمعزل عن الكارثة الإنسانية الفادحة التي خلفتها تلك الزلازل -فيما تجاوز نحو 25 ألف قتيل ومئات الآلاف من الجرحى والمصابين، إلى جانب ملايين آخرين من الذين شردتهم الزلازل وأصبحوا بلا مأوى في إقليم كشمير الباكستاني- يلاحظ أنها أخلت بتوازن القوى في منطقة شبه الجزيرة الهندية، لصالح الهند، بينما سلبت من العرب أحد أهم وأقوى حلفائهم في المنطقة ذات يوم• يذكر أن باكستان قد أضعفت وأنهكت قوتها على مدى عقد كامل من الزمان• ولهذا السبب فإنه يتعين عليها الآن، توجيه آخر ما تبقى لها من طاقة وجهد، لصالح إعادة بناء وتعمير ما هدمه الزلزال• وفي إعادة التعمير هذه، لا يقتصر دور ومسؤولية إسلام أباد على إعادة تعمير إقليم أزاد كشمير، الذي مسحت فيه من على سطح الخريطة، مئات القرى إلى جانب عشرات المدن التي سويت بالأرض تماماً فحسب، وإنما عليها أيضاً التصدي لمشكلة عشرات الآلاف من الكشميريين المتجهين جنوباً صوب باكستان، بحثاً عن المأوى والغذاء والدواء• وغني عن القول بالطبع إن كارثة بهذا الحجم، تجعل باكستان بحاجة إلى مساعدات إنسانية، تصل إلى مليارات وليس عشرات الملايين من الدولارات فحسب، كي يتسنى لها التصدي لهذه التحديات الكبيرة، ومن ثم الوقوف على قدميها مرة أخرى• ومما يعرف لباكستان أنها أسهمت في توفير العمالة البشرية اللازمة لبناء وازدهار بلدان الخليج العربي• وفي الماضي غير البعيد، يعرف لباكستان إرسالها الجيوش والجنود الذين شاركوا في الجهد الدفاعي في المملكة العربية السعودية• هذا إلى جانب كونها الدولة الإسلامية الوحيدة، الحائزة على السلاح النووي• ومن هنا فإنه من مصلحة دول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية خاصة، أن تبدي لها من السخاء العربي الأصيل، ما يعينها على التعافي من النكبة الكبيرة التي أصابتها، بأسرع ما يمكن• أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فها هي اللحظة قد حانت، كي يمارس ما يلزم من الضغوط بالقدر الذي يدفع كلاً من الهند وباكستان إلى طاولة المفاوضات، والاتفاق على تسوية سلمية للنزاع الطويل الدائر بينهما حول إقليم كشمير• والمعلوم عن الإقليم أنه خلف تركة سيئة على امتداد نصف القرن الماضي كله، قوامها الفقر والمعاناة والتمزق الأسرى، إلى جانب الإرهاب والفظائع المروعة التي شهدتها ساحة الحروب والمواجهات المسلحة بين الجانبين• ولا مناص الآن من أن تفضي عملية إعادة التعمير هذه، إلى إسدال الستار على معاناة الكشميريين، والاتفاق على تسوية بعيدة كل البعد عن ادعاء أي من الطرفين، إحراز نصر فيها على الطرف الآخر، بقدر ما تعود بالفائدة الجمة على كليهما• وكانت الزلازل التي ضربت إقليم كشمير قد نجمت عن ارتطام طبقتين من طبقات الأرض التكتونية الواقعة على امتداد قشرة الأرض• وعلى الرغم من أن هذه الكارثة تعد طبيعية ولا دخل ليد الإنسان فيها، إلا أن تأثيراتها قد تفاقمت وتضاعفت مراراً جراء بؤس التخطيط المعماري وضعف المنازل التي يعيش فيها معظم الكشميريين• ومن باب المقارنة وحدها، نلحظ أن الكارثة العراقية، تعد كلها من محض صنع الإنسان، إلا أن لها تداعيات وعواقب جيوبوليتيكية جد خطيرة وبعيدة المدى هي الأخرى• فقد أسفر الاحتلال الأميركي- البريطاني للعراق خلال الثلاثين شهراً الماضية، عن مصرع عشرات الآلاف من العراقيين، بينما عصف بجهاز الدولة برمته، في حين مزق العراق على أساس عرقي ديني• هذا ومن المرجح أن يصدر التاريخ حكمه على الاحتلال، باعتباره جريمة لا تغتفر، ولا تقل في عدوانها وكارثيتها عن جريمة الاحتلال الإسرائيلي التي جردت الفلسطينيين من أراضيهم وديارهم، وألحقت بحياتهم دماراً ماحقاً• وإنها لصفحة مخزية أخرى من صفحات التاريخ الإمبريالي الغربي، لا تقل بأية حال عن اغتصاب البريطانيين والفرنسيين للمحافظات العربية التابعة للإمبراطورية العثمانية في أعقاب نهاية الحرب العالمية الأولى• والسؤال الأشد إلحاحاً اليوم، ما إذا كان ممكناً ترميم الجسد العراقي، واستعادة وحدته إلى ماضيه السابق، باعتباره دولة مستقلة ذات يوم؟ وكم هي كبيرة الضربة التي وجهت للمصالح والأمن العربيين، منذ اللحظة التي كف فيها العراق عن أن يكون حارساً للبوابة العربية الشرقية في وجه إيران! ومثلما أسفرت زلازل كشمير، عن الإخلال بموازين القوى في شبه الجزيرة الهندية، لصالح الهند، فقد تمخض الدمار الأمني والعسكري والسياسي، الذي لحق بالعراق جراء الغزو، عن إخلال مواز بموازين القوى لصالح إيران• ومما أسفر عنه الغزو أيضاً، ترجيحه لكفة المسلمين الشيعة، على كفة المسلمين السنة، مما أثار مخاوفهم وقلقهم• وبدلاً من أن يسهم الدستور الذي أجري حوله الاستفتاء الشعبي أمس الأول، في تعزيز الوحدة الوطنية بين العراقيين، يلاحظ أنه زاد من حدة الاستقطاب ومن انقسام العراقيين فيما بينهم، على أساس طائفي ديني عرقي• والحاصل اليوم في الساحة العراقية، أن الأكراد ما انفكوا يحلمون بانفصال إقليمهم، في حين يزداد نهم الشيعة للحصول على المزيد من السلطة، بصرف النظر عن مطالب ومصالح الآخرين، بينما يواصل المسلمون السنة القتال والعنف الدموي، استماتة في الحفاظ على ما تبقى لهم من نفوذ يكاد لا يذكر في عراق ما بعد الغزو• وفي ظل غياب أي نوع من الإجماع الوطني كما نرى اليوم، فإن المرجح أن يتواصل هذا الانزلاق السريع نحو الانهيار الوطني العنيف إلى هوة الكارثة• وإن كان أقل ما يوصف به الوضع العراقي أنه ’’كارثي’’ بملء الكلمة، فإن هناك مؤشرات قوية على أنه سينزلق أكثر فأكثر باتجاه الفوضى والعنف، ما لم تسارع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا إلى سحب قواتهما• تلك هي اللحظة الوحيدة التي ترغم كافة العراقيين من مختلف مشاربهم وألوان طيفهم الديني والسياسي والعرقي، على الجلوس معاً، والتفكير فيما من شأنه إنقاذ بلادهم من شفا الهاوية• وما من شيء يمنح الحكومة العراقية شرعيتها اللازمة، سوى إبرام اتفاقية يتواضع عليها العراقيون جميعاً، شيعتهم وسنتهم وأكرادهم، مع العلم بأن حكومة كهذه، هي وحدها القادرة على كبح جماح التمزق، ولم شتات الوطن• هذا هو الطريق الوحيد وما دونه الطوفان• وفيما لو لم تبرم اتفاقية كهذه في أقرب وقت ممكن، فإنه ليس مستبعداً أن يشهد العراق عمليات تطهير عرقي واسع النطاق، ربما يطال تهجير وترحيل مجموعات سكانية بكاملها من كبريات المدن العراقية، إلى جانب احتمال نشوب حرب أهلية بين الأكراد والعرب، ما لم تحل مشكلة كركوك•

مصادر
الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)