في العراق كلام وواقع عن تبعية الشيعة ذوي الاصل الفارسي لايران ، وتقدير ايراني بان امساك طهران بزمام الورقة الشيعية في جنوب العراق سيقوي من دورها الاقليمي ، ويشكل ورقة رابحة للمساومة مع الاميركي المحتل للعراق والمهدد لايران . لكن ما لم يحسبه النظام الايراني هو ان سحر الساحر قادر على ان ينقلب عليه ، واعتماد منطق الولاء المذهبي والعرقي هو سلاح موجه ايضا الى الصدر الايراني . فمن الاحواز تاتي اخبار التحرك العربي هناك ضد حكومة مركزية لم تكن الاهواز يوما ارضها ولا العرب مواطنيها ، ولم تضّم الى ايران الا مع الانتداب البريطاني على العراق .

وسواء تبنينا المنطق القومي ( عربيا كان ام سوريا ) وقلنا بان تحرير الاحواز كما تحرير الاسكندرون ، هما واجب لا يقل عن واجب تحرير فلسطين والان العراق ، ام تبنينا منطق البراغماتية السياسية وقلنا ان الدول التي تشكلت مع نهاية المرحلة الكولونيالية في المنطقة ( وذاك تعبير مجازي لانها لم تنته فعليا ) قد اصبحت دولا راسخة وان محاولة تغيير اي من الحدود بالقوة لن تؤدي الا الى ما ادى اليه اجتياح الكويت ، فان النتيجة واحدة وهي ببساطة ان من يلعب بالنار لا يستطيع ان يحمي اصابعه من الحرق . وعندما تكون النار على قدر استثنائي من الخطورة فان الحرق لن يتوقف على الاصابع ، بل سيمتد الى الجسد كله .

وبمنطق الواقعية السياسية ايضا ، نصل الى ان هذا الحريق لن يصب في صالح احد الا في صالح القوة الامبراطورية التي تجيّر كل شيء لاحكام سيطرتها على العالم ولمنع اية قوة صاعدة من تهديد هذه السيطرة . واذا ما اخذنا بعين الاعتبار التماهي الكامل بين الخطة الاميركية للمحافظين الجدد والمخطط الصهيوني القديم الجديد ، بحيث اصبح الاثنان يصبان في هدف نهائي هو سيطرة اليهودية العالمية على العالم انطلاقا من منطقتنا ، فان امتداد الحرائق في دول المنطقة سيسهل تحقيق هذا الهدف بشكل كبير. لن يقول عاقل ان درجة استهداف ايران من قبل الصهاينة والاميركيين هي بنفس الدرجة التي استهدف بها العراق او سوريا ، لان الصراع مع ايران هو صراع نفوذ ، بينما الصراع مع دول الهلال الخصيب هو صراع وجود : فاما ان تكون هذه الرقعة سوريا الكبرى واما ان تكون اسرائيل الكبرى . سواء جاءت الاسرلة مباشرة بالاحتلال العسكري ، ام غير مباشرة بالتهويد الاقتصادي والثقافي والسياسي . علما بان كلا الاسلوبين يمثل نظرية وتيارا داخل الحركة الصهيونية .حيث كان تيار المحاربين هو الغالب قبل عام 1967 ، غير ان التيار الآخر الداعي الى التهويد سلما قد غلب بعد حرب الايام الستة لاسباب كثيرة لا مجال لاستعراضها الان ، ومن من جيلنا لا يذكر زيارة الحاخام المر برغر الى المنطقة عام 1970 ونظريته عن السلام والتهويد ، مما تجسد فيما بعد في طرح الشرق الاوسط الجديد مع شيمون بيريز ؟ بذا يكون من الممكن ان تستعمل الولايات المتحدة واسرائيل جميع الوسائل لكسب صراع الوجود معنا ، وصراع النفوذ مع ايران وتركيا ، ( علما بان للاولى اولوية على الثانية لاسباب موضوعية ايضا) . ومن هذه الاساليب ، احياء الحساسيات والاحقاد المذهبية والقومية والاتنية ، التي منها ربط شيعة العراق ، او بعضهم، بايران ، عبر استغلال اصولهم الاتنية او ارتباطاتهم المرجعية ، ولكن ذلك لن يتاخر عن ربط وتحريك عرب ايران، اما بتاثيرات خارجية ، واما بتعاطف تلقائي طبيعي، مع اهلهم في العراق ، واما بفعل الاثنين معا . فهل ستعود ايران لتقرأ درس حرب الثماني سنوات التي استنزفت الدولتين معا ؟ هل ستتذكر نظرية الاحتواء المزدوج ؟ وهل ستفهم ان ما يحصل الان هو اسلوب اخر من اساليب الاستنزاف ، لا يمكن مواجهته الا بالتحالف ضد الاحتلال الاميركي وليس بالاعتقاد الخاطىء الذي يقوم على انه فرصة لمد النفوذ وشراء النفس بدم الاخر .... ولن يكون طعم هذا الدم الا طعم دم الهر الذي يلحس المبرد

مصادر
الدستور (الأردن)