يصف الاسرائيليون توجهاتهم ازاء سوريا في الوقت الراهن بالواقعية السياسية. فرغم ان سوريا تشكل الخصم العربي الوحيد لهم على جبهتهم الشمالية لاسيما بعد سقوط صدام حسين،الا ان المحنة التي يمر بها النظام السوري حالياً نتيجة الضغوط الدولية وبخاصة الاميركية والتي من شأنها ان تهدد استقرار هذ البلد، وما قد يستتبعه ذلك من تغييرات، لم تحمل المسؤولين الاسرائيليين على اعادة النظر في اعتقادهم ان استمرار النظام الحالي هو عامل استقرار نظراً الى عدم وجود معارضة سورية حقيقية يمكن ان تقدم بديلاً من جهة، ومن جهة أخرى لأن التيار السياسي الوحيد الذي يحظى بتأييد واسع وسط الداخل السوري هو حزب "الاخوان المسلمين" صاحب الفكر السلفي الجهادي.

تتخوف اسرائيل كثيراً من ان يؤدي صعود نفوذ "الاخوان المسلمين" في سوريا الى تضييق الخناق عليها من جانب حركات الجهاد العالمي التي تعتبر حربها ضد حركات مثل "حماس" و"الجهاد الاسلامي" وجها من وجوه المواجهة مع الإسلام. فحتى الآن لم تتحول اسرائيل أولوية في عمليات "القاعدة" التي وجهت بصورة اساسية نحو الدول الغربية والعراق. ولكن وفقاً لما لاحظه رئيس المخابرات العسكرية الاسرائيلية في مقابلة معه فإن بلاد الشام ومصر بدأت تأخذ حيزاً مهماً نظراً الى اهتمام "القاعدة" لوجود اسرائيل بينهما، ولم يستبعد ان تكون اسرائيل هدفاً لعمليات جهادية في المستقبل القريب يقوم بها انصار هذه الحركة الذين تسللوا من مصر الى قطاع غزة بعد الانسحاب الاسرائيلي من هناك.

الخوف من التحول الى هدف للحرب الجهادية التي يشنها الإسلام الأصولي ضد الغرب، دفع اسرائيل الى التزام أقصى درجات الحذر في الحديث عن احتمالات تعرض النظام البعثي في سوريا الى خطر الانهيار. ولكن دور النظام السوري المعروف بعدواته الشديدة لـ"الإخوان المسلمين" في الحرب ضد القوات الأميركية في العراق، جعل سوريا في موقف متعارض ظاهرياً ولكن في الوقت عينه مفهوم من جانب الاسرائيليين الذين يعتبرون الدعم السوري لهجمات المتمردين السنّة في العراق يدخل في باب المواجهة مع الولايات المتحدة الاميركية التي تريد ان تفرض نظاماً جديداً في المنطقة على حساب نفوذ سوريا.ولكن هذا لا يعني أن موقف النظام السوري تبدل في الجوهر من الحركات الاصولية مثل "الاخوان المسلمين" الذين ما زالوا في رأي رئيس المخابرات العسكرية الاسرائيلية يشكلون التهديد الاكبر على استقرارالنظام الحالي في سوريا.

لذا ما زال التفكير الاسرائيلي أكثر ميلا للتعويل على امكان ان يتجاوب النظام السوري بصورة من الصور مع الضغوط الدولية التي تمارس عليه وان يتوصل الى صفقة بشأن ملف التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري على شكل الصفقة الليبية في قضية لوكربي في حال أثبت التحقيق ضلوع عناصر سورية في الجريمة، وان تتجاوب سوريا مع المطالب الاميركية بشأن ضبط حدودها مع العراق ووقف تسلل المقاتلين وتهريب المواد المتفجرة والذخائر الى هناك في حال حصولها على ثمن سياسي تتخوف اسرائيل ان يكون على حسابها في الجولان.

في مقابل هذا الموقف هناك التوجه الاميركي الذي يرى أنه لم يعد بإمكان الولايات المتحدة التعويل أكثر على الانظمة العربية "الداعمة للإرهاب"،لأن الاستقرارالظاهري الذي تؤمنه هذه الانظمة لا يلبث أن ينفجر دفعة واحدة في وجه الجميع. وأميركا اليوم تعتبر انه لا مجال للأدوار المزدوجة، وأنصاف الحلول وأنه على حكام سوريا ان يتخذوا قرارهم إما ان يكونوا مع الجهاد العالمي الذي يشنه الاسلام الاصولي أو مع الشرق الاوسط الجديد الذي تنادي به ادارة الرئيس بوش.

مصادر
النهار (لبنان)