صرّح الرئيس بشار الأسد في حديثه إلى <<سي. إن. إن>> بما يلي: <<إذا كانوا يبحثون عن سبب لعزل سوريا فما الذي سيحققونه بعزل سوريا؟ لا شيء. ما الذي يمكن أن يفعلوه في شأن العديد من القضايا في الشرق الأوسط حيث لسوريا دور جوهري في حلها؟ نحن لنا دور جوهري. لا يمكنهم عزل سوريا. إن عزل سوريا يؤدي إلى عزلهم عن الكثير من القضايا في الشرق الأوسط ولذلك فنحن لسنا قلقين في هذا الشأن>>.

<<دور سوريا جوهري>> ومَن يحاول عزلها يعزل نفسه، هذا هو التقدير الذي يستند إليه الرئيس الأسد ليطالب بحوار مع الولايات المتحدة. وإذا كان هذا التقدير صحيحاً فإن من حق دمشق أن تتوقع حواراً يقود إلى تسويات.

ولكن، وبغض النظر عن الصحة في هذا التقدير، فإن الإدارة الأميركية تملك رأياً آخر أو، على الأقل، تتصرف من وحي امتلاكها تقديراً آخر، ومن وحي أن سياستها في المنطقة تغيّرت جذرياً. ترى واشنطن إلى سوريا بصفتها دولة ضعيفة لا مجال ولا ضرورة لأي حوار أو <<صفقة>> معها، ولا بد من الضغط عليها حتى لا تعيق المشروع الأميركي (الغربي) لإعادة هيكلة المنطقة وصولاً إلى اندراجها فيه. لقد كان واضحاً، وهو اليوم أشد وضوحاً، أن جورج بوش أسقط من حساب علاقته مع الأسد كل احتمال لبحث إجمالي في قضايا المنطقة يقود إلى إجراء مبادلات على طريقة <<تعطوننا هنا فنعطيكم هناك>> (نموذج هذه المبادلات هو ما أقدم عليه بوش الأب مع الأسد الأب في منعطف التسعينيات). إن سياسة بوش الابن المعلنة هي <<نريد هنا ونريد هناك، ثم نرى>>. فهو عندما يخاطب النظام السوري يقول له: إن تغيير السياسة هو شرط لأي بحث لاحق وهو ليس جزءاً من معادلة يتوجب توضيح طرفها الثاني.

يتعرّض هذا النهج الأميركي إلى انتقاد ضمن بعض النخبة الأميركية (<<المحافظون الجدد>> ينتقدونه لأنه أقل من تغيير النظام وإسقاطه). النقد <<الواقعي>> لهذا النهج يتهمه بانعدام الدبلوماسية ويرى أنه يصبح دبلوماسياً فقط إذا أصبح على الشكل التالي: نريد هنا، ونريد هناك وفي مقابل ذلك نقدم كذا وكذا، أو إذا صيغ كما يلي: نريد هنا ونريد هناك وإلا فإننا سنعاقبكم بهذا الشكل. <<الواقعيون>> الأميركيون يرون تغييباً للدبلوماسية في رفض التلويح بأي من العصا أو الجزرة.

حصلت انفراجة محدودة في هذا الانسداد الأميركي عبّر عنها الرئيس بوش أثناء حوار إعلامي وبحضور الرئيس البولندي. تحدث بوش عن المطالب الأميركية من سوريا في العراق وفلسطين ولبنان مضيفاً، ولأول مرة، إن المقابل هو <<مكافأة>> سوريا بالاستعداد لقبول نظامها في المجتمع الدولي. أي أن ما فعله هو التقدم بمطالب محددة والتلويح بثمن غامض.

وفي سياق هذه التصريحات تكاثرت الإشارات إلى <<وساطات>> عربية، وأوردت وسائل إعلامية معطيات عن صفقة ما بين واشنطن ودمشق. وأوضح ما ورد في هذا المجال خبر <<التايمز>> اللندنية عن الشروط الأميركية على سوريا في ما يخص العراق وفلسطين ولبنان ولكن، أيضاً، عن مقابل ذلك بشكل ملموس وهو كناية عن فك العزلة ومساعدات اقتصادية والتشجيع على خطوات انفتاحية داخلية. يصعب التدقيق في الخبر. إلا أن اللافت فيه هو أنه ناقص ولا يتضمن أي إشارة إلى القضية الوطنية السورية، الجولان المحتل، ولا إلى أي دور أميركي في الدفع نحو تفاوض سوري إسرائيلي ناهيك عن تسوية (أكد الأسد في مقابلته المشار إليها أن فقدان السلام هو المشكلة الرئيسية في الشرق الأوسط، وأن الأميركيين غير مهتمين بذلك). يعني ذلك أن الصفقة المعروضة، إذا كان هناك من صفقة، تقفز فوق ما تعتبره سوريا حيوياً بالنسبة إليها، أو فوق ما لا يمكن لأي نظام في دمشق أن يسقطه من حسابه.

قد لا يكون خبر <<الصفقة>> صحيحاً. إلا أنه دقيق بمعنى أنه يعبّر، فعلاً، عن المزاج الأميركي الراهن. إن أحد أكثر <<الخبراء>> الأميركيين ليونة حيال سوريا، فلينت ليفيرت، وهو أحد الأكثر نقدية حيال نهج الإدارة الحالية، يروّج لنظرية تقول إنه من الضروري إبعاد قضية الجولان عن أي توجه دبلوماسي حيال سوريا. يرى ليفيرت أن الحوار بين البلدين، وصولاً إلى صفقة شاملة أو مجموعة تسويات جزئية، لا يمكن له أن يضع الجولان بنداً على جدول أعماله. فذلك سيؤدي، في عرفه، إلى إدخال طرف ثالث في المعادلة في حين أن أرييل شارون ليس في هذا الوارد إطلاقاً ولا بوش في وارد الضغط عليه أو رفع مطالب في وجهه.

الحصيلة مما تقدم أن لا أساس موضوعياً جدياً لأي صفقة سورية أميركية. يصعد التوتر ويهبط ولكن العلاقة مستقرة على تنازع مقيم. إن ما تعرضه واشنطن لا يسع دمشق قبوله، وما تريده دمشق لا مكان له في السياسة الأميركية الحالية. وما تريده واشنطن لا يسع دمشق تقديمه لأنه يشترط عليها التراجع على الجبهات الإقليمية كلها و<<نسيان>> الجولان فوق ذلك، أي ليس أقل من فقدان الشرعية تماماً.

إن المصدر الرئيسي لهذا التوتر ليس تمسّك سوريا بالدور القومي أو رفع لواء العروبة. إن المصدر الرئيسي هو الطابع شديد الراديكالية للمشروع الأميركي الكولونيالي المعطوف على الاندفاعة التوسعية الصهيونية. ولأن المشكلة تدور هنا فإن إبقاء التوتر عند حده الراهن هو الشكل الأفضل المتاح للعلاقات السورية الأميركية. ولأن حرارة التوتر مرشحة للتصاعد فإن واجب السلطة السورية مواجهة السؤال الذي تحاول تجنبه والخاص بدور الشعب السوري في المرحلة المقبلة. هل فات الأوان؟

مصادر
السفير (لبنان)