مشهد محطة الباصات في مفترق غوش عتصيون أمس ذكرنا بمشاهد نسيناها للحظة: بقع دم وإلى جانبها تتناثر العيارات النارية الفارغة، حمالات مغطاة، قوات كبيرة من الجيش تتدفق الى المنطقة، في بحث حثيث عن شيء من المجدي عمله. الانتفاضة مرة أخرى هنا. وفي واقع الأمر، لا يبدو أنها قد توقفت في أي مرة. فمنذ بضعة أسابيع بدأ تسخين متجدد في الضفة الغربية. ولكن ما وجد تعبيره حتى الآن في ارتفاع عدد الإنذارات وفي عمليات إطلاق نار منفردة، تحوّل في ضوء نتيجة أمس ـ ثلاثة قتلى وسبعة جرحى ـ الى موضوع مشاورات عاجلة على المستوى السياسي وفي قيادة المؤسسة الأمنية.

في وقت قريب من استكمال الانسحاب من غزة ومن شمالي الضفة توقعوا في قيادة المنطقة الوسطى بأن "تشتعل الطرقات". وكما في السنتين اللتين تلتا التوقيع على اتفاقات أوسلو (1994 ـ 1995) وفي السنتين الأوليتين من المواجهة الحالية (2001 ـ 2002)، اليوم أيضاً طرق الضفة هي البطن الرخوة لشبكة الدفاع الإسرائيلية. إطلاق النار من سيارة مارة على أهداف إسرائيلية سهل التنفيذ نسبياً. وفي نظر الرأي العام الفلسطيني، الذي يتحفّظ الآن في معظمه على العمليات الانتحارية في نطاق الخط الأخضر، بقي المستوطنون هدفاً مشروعاً. فالمستوطنات لا تزال منتشرة في كل أرجاء الضفة. والبناء فيها مستمر والحل السياسي يبدو أبعد مما كان في أي وقت مضى. وكما في عهد أوسلو، لا يجب تجاهل حقيقة أنه في نظر الفلسطينيين، إسرائيل انسحبت تحت الضغط ويحتمل أن يؤدي وقوع المزيد من العمليات في أعقابها الى انسحابات أخرى.

ثمة حقيقة أخرى يميل الإسرائيليون الى نسيانها: من ناحية الفلسطينيين، الحساب الدموي لا يزال مفتوحاً. إذ يمر أسبوع من دون قتل مطلوبين، وأحياناً مدنيين، في حملات الاعتقال التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في مدن الضفة. وترى المنظمات الفلسطينية أن من حقها أن ترد على ما تعتبره عدواناً إسرائيلياً والسلطة الفلسطينية لا تخرج عن طورها كي تصدهم. هذه صورة مختلفة جوهرياً عن الوضع في القطاع. السلطة في غزة مهما كانت ضعيفة، هي الآن المسيطرة الرسمية المتفرّدة في القطاع. هناك، كما يبدو، يوجد للفلسطينيين ما يخسرونه في ضوء الرد العنيف للجيش الإسرائيلي على قصف سديروت قبل بضعة أسابيع.

توقيت العمليات ليس صدفة: قبل لحظة من خروج رئيس السلطة أبو مازن من الضفة، في طريقه الى لقاء مع الرئيس الأميركي جورج بوش في واشنطن يوم الخميس. وهذا توقيت محرج للسلطة، التي قبل بضع ساعات فقط من ذلك نشرت بياناً أحصت فيه إحباط 17 عملية أخيراً. وخلف الهجمات يمكن أن تقف عصابات محلية لفتح والتي بالفعل أعلنت تحمّلها المسؤولية ولكنهم في الجيش الإسرائيلي يشكون في أنه في حادثة غوش عتصيون يدور الحديث بالذات عن حماس من الخليل. فالشبكات هناك لا تزال فاعلة وهي لم تدرج على نشر عملياتها، لجملة أمور منها الافتراض بأنها تنأى بذلك بالشاباك عنها.

العمليتان باغتتا المستوطنين في فترة هدوء على نحو خاص. فعلى أي حال، بدا في محيط يوم الغفران ارتفاع في حماسة الكفاح. فإضافة الى الانقضاض على رئيس شعبة الطاقة البشرية عند حائط المبكى أضيفت أمس الصرخات والشتائم لقائد المنطقة الوسطى يائير نافيه الذي وصل الى مفترق الغوش. وخلال الليل أقيم موقع احتجاجي في مكان العملية. وحقيقة أن الشبان الثلاثة القتلى يأتون من مستوطنات جنوب جبل الخليل من شأنها أن تضيف الى التوتر الذي ارتفع على أي حال أخيراً، في أوساط مستوطني المدينة. حلول موعد العرش من شأنه أن يكون عاصفاً.

ماذا ستعمل الآن المؤسسة الأمنية؟ يبدو أنها ستُخرج من المخازن الذخيرة القديمة: تقييد الحركة، حواجز واعتقالات أخرى، العمليات ستجمّد لفترة زمنية طويلة إمكانية نقل مزيد من المدن الى السلطة. والجيش والشاباك تحفظا على أي حال، لأن الإبقاء على المسؤولية الأمنية في يد إسرائيل يسمح بتنفيذ اعتقالات أكثر في نطاق المدن. وطالما أبقيت حرية العمل، تبقى المعلومات الاستخبارية التي في يد الشاباك نوعية جداً. من المعقول أنه سيُلقى القبض على القتلة في زمن غير بعيد. ففي الشهر الأخير فقط، كما ذكّرت أمس مصادر في قيادة المنطقة الوسطى، اعتقل في الضفة 700 ناشط. ولكن إذا كان هناك شيء استوعب جيداً في السنوات الخمس الأخيرة فهو أنه سينشأ بسرعة مطلوبون جدد مكانهم.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)