زرت سوريا في حياتي ثلاث مرات: مرتين برفقة وليد جنبلاط في العام 1987، الاولى عبورا من سوريا الى الاتحاد السوفياتي للقاء ليغاتشنيف، والثانية للقاء مسؤولين سياسيين سوريين في حزب البعث العربي الاشتراكي وعلى رأسهم الأمين العام المساعد للحزب عبد الله الأحمر. أما المرة الثالثة، فقد ارسلني وليد جنبلاط الى دمشق بهدف تحسين صورتي عندها بالمشاركة في مهرجان لفتح الانتفاضة بعد ان سودت صورتي وشوهتها هناك تقارير الرفيق العزيز الى المخابرات السورية، وقد صار ذا شأن في ما بعد (...) ومن ابطال <<ثورة الارز>>، اتهمتني فيها بأنني كنت عرفاتيا في <<حرب المخيمات>> واسعى الى تحريض وليد جنبلاط ضد سوريا، وانني ساهمت في فصل اصدقاء سوريا في الحزب (محسن دلول ورياض رعد) وقد تلقيت تهديدات عن ذلك. وفي الحقيقة أنني كنت آنذاك ضد حرب المخيمات ومع موقف وليد جنبلاط تماما، ولا اؤمن بمشروع فتح الانتفاضة الانفصالي، فكتبت خطابا يسير بين النقط، لا يقدم ولا يؤخر في الموضوع أصلا، لكنني التقيت الرفيق كريم مروّة في المهرجان فتنازلت له عن دوري في تمثيل القوى الوطنية اللبنانية، فألقى خطابه هو ونجوت من شرب تلك الكأس.

والتقيت في حياتي ضابطين سوريين، الاول عندما دخلوا لبنان العام 1976 فاحتجز احد فروع المخابرات سيارتي فذهبت لفك أسرها. والثاني عندما اجتاحت اسرائيل لبنان في العام 1982 وانحشرنا كقوى وطنية في عاليه فطلبت مني تلك القوى (لعل الرفيق حامد يتذكر) لقاء العميد اسماعيل في بحمدون تحت القصف الاسرائيلي، لحل اشكال كبير بين القوات السورية والحزب التقدمي الاشتراكي، وذهبت بصحبة الرفيقين موريس نهرا (الحزب الشيوعي اللبناني) ورياض عيد (الحزب السوري القومي الاجتماعي) وكانت جلسة عاصفة. هكذا فإن ثقافتي الميدانية في دمشق ضعيفة جدا. كما ان ثقافتي الدرزية كذلك لأنني لم أزر بعدُ حوران او جبل العرب او جبل الدروز، حيث المكان الذي يلجأ اليه الدروز عادة في محن لبنان. وحيث سيكون الملجأ الاخير عند قيامة القيامة، وتقول الرواية الشعبية زجلا:

<<نيال من لو في السويدا خرابي/ يفرش على حيطانها وينام>>. وقد هدرت في حياتي مئات الساعات لأضع مخطط شجرة العائلة اذ هي تمتد الى خمسمئة سنة في تاريخ لبنان. ولدي احساس قوي باللبنانية جعلني أتجرأ على عبور أحد الحواجز الكتائبية في العام 1982 وكدت اقتل، ظنا مني أنني لبناني اكثر منهم، وأنهم ربما قرأوا قصيدة أمين تقي الدين او سمعوها بصوت نجاح سلام: <<الله يا لبنان ما أجملك>>، او لعلهم درسوا في الصفوف الابتدائية نص خليل تقي الدين <<وطني لبنان>>.

لكنني رُبيت في بيت كان والدي فيه اشتراكيا جنبلاطيا. فأذكر أنني في الخامسة من عمري بقيت اسبوعا لا اجرؤ على اضاءة الكهرباء في المنزل لان كمال جنبلاط سقط في انتخابات 1957. وان جدي لأمي من فرط حبه لعبد الناصر، كنا نمازحه باخبار سيئة عنه، وانه نام اسبوعا طريح الفراش عندما علم بوفاة عبد الناصر. أما سوريا فلا تذكر في بلادنا إلا أنها مصدر الغلال والتموين منذ الحرب الكونية الاولى وحصار جمال باشا لجبل لبنان، وكمصدر للدعم والسلاح منذ احداث 1958 وضغوط حلف بغداد.

واذا كنت قد تعاطفت مع الفلسطينيين فلشدة كرهي للظلم، لكنني لم أعرف الكثير عنهم وعن قياداتهم وانما تآمرت لمساعدتهم مثلي مثل الماروني سمير بن حميد فرنجية. ولذلك قصة علمها عند زهير رحال. أذكر هذا تمهيدا للبحث في العلاقات اللبنانية السورية، لان من دواعي النظر السليم في هذه العلاقات ان تكون منزهة عن الهوى والمصلحة، وقد شبعنا في لبنان استزلاما من هنا ومن هناك لهذه او تلك من القوى والدول. ومن حق جيل الشباب اليوم ان يعرف حقائق التاريخ حتى لا يكرر أخطاء تجربة جيلنا. فالتغيير دائما تطرحه العقول الكبيرة وينفذه الابطال ويستغله الأنذال. سوريا قبل ان تدخل لبنان عام 1976 هي التي زودت المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بالسلاح. وكان ذلك تحت شعار حماية المقاومة الفلسطينية ومنع تصفيتها في لبنان كما حصل في الاردن.

هل كانت لسوريا آنذاك خطة استراتيجية للسيطرة على لبنان؟ في حدود معارفنا اليوم عن معطيات تلك الحقبة، لم تكن سوريا لتحلم بذلك. وقد لعبت سوريا دور الوساطة الحقيقي لوقف تداعيات الحرب. وقد فشلت، لكنها كانت صادقة بداية في حماية السلم اللبناني وايجاد صيغ تعاون بين لبنان وسوريا كالتي تجلت في حرب تشرين عام 1973 والموقف الذي اتخذه الرئيس فرنجية بعبور السلاح السوفياتي عبر لبنان الى سوريا. ولم يكن حافظ الاسد ثوريا رومانسيا صاحب طموح الى ضم لبنان مع ما في ذلك من تغيير للمعادلات والخرائط الاقليمية.

وقع الخلاف بين سوريا والمقاومة والحركة الوطنية عام 1976 لأن الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط ارادت تسوية سياسية أفضل من تلك التي وصلت اليها سوريا مع الرئيس سليمان فرنجية من خلال ما سمي الوثيقة الدستورية. بالفعل لقد شعر كمال جنبلاط بالاحباط نتيجة تضحيات حرب السنتين (75 76) وان تختصر تلك التسوية بتحسين موقع رئيس الوزراء في السلطة.

لقد كان كمال جنبلاط يعتقد بإمكان تحسين شروط تلك التسوية بما يرضي الاحزاب الوطنية والتقدمية واجيال شباب لبنان من خلال مشروع اصلاحي حقيقي تضمنه البرنامج المرحلي آنذاك. وليس لرجل مثله في الستين من العمر ان يعطي التغيير فرصة ثانية قد يطول أمدها. لقد اعتقد كمال جنبلاط ان في تحريك حرب الجبل والاقتراب من العمق المسيحي ومعاقل الكتائب ما يسهل شروط تسوية افضل. لكن السوريين تصدوا لهذا المشروع بقوة ومنعوه. لقد اكتفى السوريون آنذاك بان يحققوا نفوذا في لبنان من خلال علاقتهم بالرئيس فرنجية وكرامي ومن دون ضمانات فعلية على صعيد تركيبة السلطة والنظام السياسي.

قفز كمال جنبلاط فوق الحاجز الاقليمي هذا، ما أدى الى دخول سوريا الى لبنان عبر مطالبة القوى المسيحية والاسلامية بذلك لوقف الحرب. وكان اقتناع كمال جنبلاط انه لن يصطدم بسوريا اصلا لأنها لن تدخل لبنان بالنظر للمعارضة العربية الواسعة لذلك (مصر والسعودية والعراق) وموقف اسرائيل والولايات المتحدة. ومن المعروف ان سوريا دخلت لبنان بضوء أخضر اميركي رسم سلفا حدود هذا الدور، وتم التجديد له في السنوات التالية.

من زاوية النظر الاخلاقية كانت اهداف كمال جنبلاط نبيلة، وهي إحداث اصلاح وتغيير اعمق في بنية النظام السياسي، وربما لو صح ذلك لما حصلت تداعيات اخرى للحرب. ولم يكن كمال جنبلاط يهدف الى قهر المسيحيين كما صورته مواقف سوريا آنذاك، بل اراد تسوية يحتل فيها المسيحيون الوطنيون دورهم. ولطالما ردد ذلك وبالغ فيه. فقد كانت لكمال جنبلاط مشاكل كبيرة مع <<الاسلام السياسي>> ولم يكن يفكر بهيمنة طائفية من نوع آخر. كان الرجل ليبراليا مستنيرا وصاحب مشروع اصلاح وطني ديموقراطي.

لكن دخول سوريا لبنان، لوقف الحرب الاهلية ومنع التقسيم، لم يؤد وظيفته، فبعد ضرب الحركة الوطنية، وقع الصدام بين القوات السورية والقوات الكتائبية عام 1978. يؤكد ذلك ان تفكير سوريا كان خاطئا، وان المشروع السياسي الذي حملته قوى الكتائب وحلفاؤها آنذاك كان مشروعا جذريا، وان كمال جنبلاط كان على صواب في سعيه الى تحقيق توازن افضل في لبنان لمصلحة عروبة لبنان والقضية الفلسطينية والاصلاح.

بضرب الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، لم يعد الصراع بين مشروعين وطنيين لبنانيين، صار الصراع بين قوى لبنانية (الكتائب وحلفائها) وسوريا والفلسطينيين وقوى الاسلام السياسي. هكذا صارت الحرب في طريق الانقسام الطائفي الحاد، وصارت البلاد عرضة للتجاذبات الاقليمية المباشرة. وكان خطأ ما بقي من قوى الحركة الوطنية أنها استأنفت الدخول في لعبة الصراع من خلف دور سوريا وسقطت في لعبة التبعية للقرار السوري.

حصل ما حصل حتى عام 1982، فعندما اجتاحت اسرائيل لبنان شاركت سوريا في التصدي للعدوان ولكن بحدود التزاماتها الدولية تجاه لبنان. اي بحدود ما سمح لها الاميركيون ان تلعب من أدوار وان يكون لها من سلاح وان تكون لها من مواقع. وبالمحصلة، استطاعت سوريا لا سيما بالدعم السوفياتي المباشر ان تعيد التوازن في اللعبة اللبنانية فتعيد اقتسام النفوذ في لبنان بينها وبين اسرائيل. ومن خلال هذه الاستراتيجية استطاعت في ما بعد بالتعاون مع ايران ان تدعم المقاومة الاسلامية في الجنوب وان تبدل التوازن اللبناني لمصلحتها.

في ادارتها للملف اللبناني كانت سوريا تبيع السلم في لبنان الى الغرب والعرب واللبنانيين مقابل نفوذها فيه، وتعزيز دورها الاقليمي. وقد استطاعت تجديد هذا الدور عام 1990 مع حرب الخليج وتعاونها مع اميركا. وبالفعل ثبت بالتجربة ان استقرار مصالح سوريا في لبنان، يحتاج الى الاستقرار في الداخل اللبناني وانها نجحت في فرض هذا الاستقرار مع فرض سقف سياسي اقل للبنان، ومع سقف اقل للحريات ومع كبح للقوى السياسية وارساء توازنات تخدم نفوذها. في تلك السنوات من الطائف حتى عام 2005 وحدها القوى السياسية المسيحية مارست دور الممانعة رافضة هذا السقف السوري للبلاد، وما عدا ذلك قوى انخرطت في لعبة السلطة كما كانت ترسمها دمشق. بل لقد زايد البعض من هؤلاء على دمشق نفسها في حماية وجودها ومصالحها. واستدرجت هذه القوى سوريا للتدخل في كل شيء والمشاركة في كل شيء. ان اللبنانيين المتعاونين مع دمشق لم يسهموا ولا مرة واحدة في وقف تدخلها او الحد منه، او العمل في سبيل تعزيز مقومات الدولة والاستقلال في لبنان.

قبل شهور قليلة من انفجار الازمة مع سوريا بدءا من قرار التمديد لرئيس الجمهورية، كنت أناقش مع القوى السياسية المتذمرة آنذاك التي انقلبت على سوريا في ما بعد، امكانية تشكيل معارضة ديموقراطية حقيقية لاصلاح النظام والحد من الهيمنة السورية وتداعياتها السلبية على البلاد، فكان الجواب قاطعا بأن ليس لهذا المشروع من قوى في لبنان.

من الواضح اذاً أن ثمة طارئا خارجيا ساعد على الأقل في تشكيل القوى التي انتفضت فجأة بوجه الدور السوري. ولا نعيب على هذه القوى ذلك خاصة ان تستفيد من التحولات في موازين القوى الدولية والاقليمية. لكن من الواضح اكثر ان الدخول في <<لعبة الامم>> كان دائما مكلفا وغير قابل للتحكم.

وكانت سوريا ستخرج من لبنان بقرار دولي عاجلا أم آجلا ولم تكن الامور بحاجة لأن نورث العلاقات اللبنانية السورية كل هذه الاحقاد والمنغصات التي ظهرت في الحراك السياسي الداخلي. ومع ذلك ورغم ذلك كان يمكن استدراك الامور لو ان هناك وعيا وحرصا على الحد من موجة الوصاية الدولية الزاحفة على لبنان بقوة كالتي نشهدها اليوم. ففي نهاية الامر لبنان سيبقى في موقعه الجغرافي والتاريخي، وسيكون محكوما بتسوية علاقات الجوار إن لم يكن علاقات الأخوة.

مصادر
السفير (لبنان)