اتفقت خمس جماعات سياسية علمانية وتسع شخصيات سورية معارضة على وثيقة أطلق عليها مؤلفها اسم"إعلان دمشق." الحدث بحد ذاته مهم على صعيد الساحة السياسية السورية. غير أن هذه الأهمية تبدأ بالتضاؤل منذ قراءة الأسطر الأولى، لتصل مع نهايتها إلى حد كبير من الإحباط والاكتئاب.

وسنتجاوز هنا الصياغة الرديئة والأسلوب الركيك للوثيقة فليس من واجب كل سياسي أن يكون أديبا. بيد أننا لا نستطيع أن نتجاوز استخفاف الوثيقة بذكاء المتابع السوري ومحاولتها البائسة تقديم مجموعة من الرشاوى للقوى الإسلامية التي تستعد بمباركة القوى العلمانية للانقضاض على السلطة باسم الديموقراطية. ونبدأ بالعنوان: إعلان دمشق. يوحي العنوان بأن الوثيقة تعلن قطيعة مع مساحة سياسية ماضوية وتستشرف مستقبلا سياسيا مختلفا عن الماضي. الحال أن الوثيقة لم تفعل أيا من المهمتين. وبغض النظر عن أن العنوان افترض تشابها مع إعلانات سابقة ارتبطت بأسماء مدن وعواصم عالمية، كإعلان باريس وإعلان جنيف، وبغض النظر عن أن تلك الإعلانات لم تأخذ أسماءها من كتابها وإنما من تعارف النقاد والمحللين على تسميتها كذلك، فإن إعلان دمشق لم يعمل قطيعة مع الماضي ولم يستشرف مستقبلا حقيقيا مغايرا لسورية.

ولنكن أكثر تحديدا. يطالب الإعلان بتعبئة "جميع طاقات سورية الوطن والشعب، في مهمة تغيير إنقاذية، تخرج البلاد من صيغة الدولة الأمنية إلى صيغة الدولة السياسية." هذا المدخل خطئ. لا يريد السوريون دولة سياسية. يريدون دولة مدنية، تقوم على أساس الحق والقانون والحريات الفردية. إيران دولة سياسية وكذلك كوبا وكوريا وفنزويلا وموريتانيا. ولأن المقدمات الخاطئة غالبا ما تؤدي إلى نتائج خاطئة، كان على إعلان دمشق أن يكرر المسار نفسه. فأجمع المشاركون، بالتوافق، على "إقامة النظام الوطني الديمقراطي (الذي) هو المدخل الأساس في مشروع التغيير و الإصلاح السياسي." ثم أردفوا أن هذا التغيير "يجب أن يكون سلمياً ومتدرجاً ومبنياً على التوافق." النظام الوطني الديموقراطي هو أمر حسن. ولكن أن نعيد اجترار هذا المطلب لأكثر من خمس وعشرين سنة دون السؤال عن ما هي حدود هذا التغيير وأين هي حدوده الوطنية وأين هي حدوده الديموقراطية سيعيدنا إلى دوامة طرح الشعارات التي لها وقع صوتي دون مدلول محدد. فمن أجل التغيير الوطني لا بد من اتفاق أولا على الوطن. وهذا يتطلب اتفاقا على كل شيء بدءا من الحدود الجغرافية لهذا الوطن وانتهاء بتعريف جديد يتقل بمفهوم الوطن من كونه ترابا إلى كونه متحدا اجتماعيا من جميع الأفراد والجماعات التي تعيش فوق هذا التراب.ومن هنا، فليست المهمة الآن إثبات التوجه الوطني والديمقراطي بل المهمة الدخول إلى عمق هذه التفاصيل التي لا بديل عنها عنها تضع أية قوة سياسية برنامجها السياسي.

ينتقل البيان لينادي بنبذ "الفكر الشمولي والقطع مع جميع المشاريع الإقصائية والوصائية والاستئصالية، تحت أي ذريعة كانت تاريخية أو واقعية." وهذا بدوره أمر جيد. ولكن الفقرة التالية تفرغه من أي مضمون إيجابي عندما يقرر كاتب الإعلان أن الإسلام هو "المكون الثقافي الأبرز في حياة الأمة والشعب." وأن حضارتنا العربية تشكلت "في إطار أفكاره وقيمه وأخلاقه." لا شك أن الدين الإسلامي وعاء فكري وحضاري لكثرة من السوريين، تماما كما هي الحال مع الكاثوليكية في فرنسا والهندوسية في الهند. ولكن أكان كاتب البيان سيؤكد بنفس القوة دور الكاثوليكية لو كان فرنسيا الهندوسية لو كان هنديا. سأجازف بالجواب بالنفي، وسأجازف أيضا بالاستنتاج أن إفراد الحديث عن الإسلام لا بد وأن يكون لأنه الدين الوحيد الذي جير سياسيا. وفي حين لم تدخل الديانات الشرقية في دائرة الفعل السياسي في الأساس، وفي تراجعت الكاثوليكية منذ عصر التنوير لتتحول إلى تيار أخلاقي سلوكي، يكتفي بالتفاعل والتطور داخل الكنيسة وربما المجتمع، ولكن أبدا ليس داخل مؤسسات الدولة أو مؤسسات السلطة، بقيت أقلية إسلاموية متعصبة ترفع شعار الدين الإسلامي للدخول في معركة الفعل السياسي.

لا أستطيع إلا أن أفكر أن ذلك ليست سوى رشوة للتيارات الإسلامية سواء أكانت سياسة، وفي مقدمها الإخوان المسلمين، أو غير سياسي. ويتأكد ظني بالطلب الذي يحدده الإعلان بضرورة "ضمان حق العمل السياسي لجميع مكونات الشعب السوري على اختلاف الانتماءات الدينية والقومية والاجتماعية." العمل السياسي حق لجميع أفراد المتحد السوري، وهم لهم الحق في تكوين أحزابهم على أسس مبادئ سياسية صرفة، يرون أنها تجلب الخير للسوريين عموما وليس لفئة صغرت أو كبرت من السوريين. ومن هنا فإن لي الحق كفرد أن أتحد مع كم من الأفراد الآخرين بإرادتي الحرة وإرادتهم الحرة. وأنا أكتسب هذا الحق من كوني مواطنا سوريا وليس من كوني عربيا أو كرديا أو سنيا أو مسيحيا. ويعزز هذا التفكير لدي دعوة كاتبي البيان "إخوتنا من مختلف أبناء الفئات السياسية والثقافية والدينية والمذهبية إلى المشاركة" معهم وعدم التردد والحذر. لطالما تحسست من استخدام تعبير "إخوتنا" مع أي تصنيف قومي أو ديني، فهو يفترض سلفا أننا نتحدث عن جماعة مفارقة لنا، فثمة نحن ومن ثم "إخوتنا." وغالبا ما يحمل التعبير مضمونا فوقيا وتلطفا من المخاطب (بالكسر) إلى المخاطب (بالفتح) ليس مجاله العمل السياسي، وبخاصة العمل السياسي-الوطني الديموقراطي. ليس المواطنون إخوة. إنهم أفراد أحرار يعيشون في مشترك واحد، يدفعون ضرائبهم ويؤدون واجباتهم، ولهم الحق في أن يتمتعوا بحقوقهم كاملة.

ولكي أحاجج نفسي أولا، سأسأل لم انفرد البيان بذكر الدين الإسلامي وحده، ولم يذكر أي شيء عن المسيحية وهي ديانة عشر السوريين، إضافة غلى كونها الوعاء الثقافي الأسبق للسوريين عموما؟ ولم لم يذكر هذا التنوع الغني والجميل الذي يوشي السجادة السورية من الأديان الصغيرة التي تنتشر على امتداد خارطة الوطن؟ ولم خلت قائمة الموقعين من أفراد مسيحيين أو علويين أو آشوريين، مثلا؟ وأهم من ذلك، لم لم يذكر البيان لا من قريب ولا من بعيد مسألة فصل الدين عن الدولة؟ وهو أبسط المبادئ الديموقراطية، إلا إذا كان هدف كاتبي البيان مسخ الفهم الديموقراطي إلى مجرد ممارسة حرية الانتخابات؛ وهي ،على أهميتها التي لا يماري فيها أحد، عنصر واحد فقط من مركب الديموقراطية الذي لا بد من أن يتأسس على مفهوم الحداثة والعلمانية وفصل الدين عن الدولة. وأخيرا، ولم تم استبعاد القوى السياسة الأخرى (حزب العمل الشيوعي-مثالا) ما لم يكن السبب أن هذه القوى لا تقبل ببرنامج الإخوان المسلمين للهيمنة على الدولة والمجتمع؟

وأخيرا، يرى موقعو البيان أن "عملية التغيير قد بدأت." أليس من حق القارئ أن يعلم متى بدأ هذا التغيير. هل بدأ مع إعلان دمشق، أم قبل ذلك؟ ومن الذي بدأ به؟ وما هي غايته النهائية؟ أن يُبدأ بالتغيير دون أن يكون الهدف النهائي واضحا سيؤدي إلى الوقوع في شرنقة الانقسام الذي يهيمن شبحه فوق المنطقة على أية حال. وإذا كانت عملية التغيير قد بدأت مع إعلان دمشق، فإن المستقبل لا يبشر بخير. فمن جانب لا تمثل هذه القوى، رغم أنها تعد أكثر من سبعة عشر حزبا، قوى قادرة بالفعل على المبادأة الاجتماعية لحشد السوريين على الالتفاف حول برنامجهم المعلن. ومن جانب ثان، فإن البرنامج على درجة شديدة من العمومية والتضليل، لا بد أن يبدأ الاختلاف حول تطبيقه منذ اليوم الأول للعمل به، وذلك بسبب فقره إلى التفاصيل المهمة التي تسند عموده الفقري. إن برنامجا تحالفيا عريضا يمكن أن يكون ناجحا فقط إذا كان واضحا منذ البداية بأنه برنامج مرحلي، يهف إلى تحقيق نقطة محددة وبأنه سينتهي بمجرد تحقيق هذه النقطة. ولكن ذلك يتطلب أن يقوم بين أحزاب محددة الملامح واضحة البرامج، تعرف بالضبط إلى أين تسير وإلى أين تقود معها البشر. وهذا بالتأكيد ليس حال القوى السياسة الموقعة على إعلان دمشق.