تنهمر المكاسب التي نحققها من ازمات الفترة الاخيرة . وتتدحرج الامة كل يوم بسرعة اكبر نحو التفتت.

سبع عشرة سنة من الحرب الاهلية، وخمس عشرة سنة من "الاخوة" السورية اللبنانية، تخللها منجزالتحرير العظيم، لنصل اليوم الى ترسيم الحدود. هكذا وكما براس عنترة خرج السنيورة يبشر بترسيم الحدود اللبنانية السورية، لنكتشف فيما بعد ان الخرائط معدة وفق افضل التقنيات وجاهزة على الطاول.

اما لماذا لم يعلنها رئيس الوزراء اللبناني الا بعد العودة من فرنسا فذاك من باب الوفاء الواجب لذكرى وزير الخارجية الفرنسي الجراح جورج بيكو الذي وقف يوما بمشرطه قبالة زميله البريطاني واعملا التشريح في خريطة بلاد ليس لهما فيها الا اطماع المستعمر. دون ان ننسى واجب الوفاء ايضا لشخص المحسن الكبير الجنرال غورو، الذي "مط" لبنان الصغير فجعله كبيرا ، ووضع الوثيقة في يد البطريرك الماروني الذي عاد يلوح بها في وجه سوريا التي خسرت بفعلها المدن الساحلية خاصة طرابلس وصيدا وبيروت.

لكن ما ارتسم على الورق لم يتحقق كليا على الارض حتى اليوم ، ففي الشمال وفي البقاع لم تترسم الحدود في اذهان الناس وعقولهم خاصة وان املاك الفرد الواحد قسمت بفعلها جزءا في سوريا وجزءا في لبنان . لم تترجم الخرائط حدودا في الشمال لا ولا في الهرمل ، وظلت الحركة طبيعية الا على المصنع .ورغم ان الانعزاليين اللبنانيين ظلوا يطمحون الى تحويلها الى واقع الا ان اهتمامهم بذلك ظل في الواقع محدودا اذ كانوا يعتبرون ان هذه المناطق هي مناطق اسلامية ، وهي بالتالي تقع في الهند الصينية ، لان حلمهم الاكبر هو الاستقلال المسيحي ، ولتذهب المدن الساحلية الى الشيطان فجونية تكفي وقبرص قريبة ، وجزء من بيروت لا باس به . هكذا كانوا ينادون في بداية السبعينات ،وخلال المرحلة الاولى من الحرب الاهلية . الى ان جاء بشير الجميل بشعار العشرة الاف واربعمئة كيلومتر . شعار ، ليس ابلغ دلالة على ما اصابنا ، الا ان نسمعه من السيد حسن نصرالله ، قائد التحرير ، وبطل الخطاب القومي في المواجهة مع العدو الصهيوني . لم يكن للسيد الا ان يختار ، بين نارين : اما دمار المقاومة وحزبه ، واما التراجع عن الكثير من طموحاته وقناعاته ، فقادته براغماتيته السياسية الى تبني ما لم يكن ليتبناه قبل سنتين. تراجع ليس لنا ان نبرىء احدا من مسؤولية اضطرارنا اليه، لا اللبنانيين، ولا الفرنسيين ، ولا الاميركيين.. لا الحادي عشر من سبتمبر ولا احتلال العراق... ولكن ، لا السوريين ايضا الذين اداروا وجودهم في لبنان بغباء سياسي حول الفرصة التاريخية الكبرى الى مازق تاريخي كبير وخسارة.

غير انه لا بد من الاعتراف بان خطاب الاضطرار اللبناني، وعلى لسان نصرالله ، قد حاول ان يحقق مكسبا، هو اعتبار مزارع شبعا جزءا من المساحة المذكورة وفي ذلك الزام، حتى للكتائب والقوات وصولانج الجميل بالمطالبة بها، وعبر ذلك تاجيل لمسالة الحسم المحلي والدولي بشان سلاح المقاومة، وادخال هذه المسالة ضمن مهل المفاوضات. في تصريح السنيورة عن الحدود تبن لذات الخط ، اذ قيل ان الحدود المرسومة تشمل مزارع شبعا... والجزء اللبناني من قرية الخضر!! لكن السؤال يظل : وماذا بعد؟ بعد الحدود؟ وبعد شبعا؟

مصادر
الدستور (الأردن)