زادت في الآونة الأخيرة التسريبات في الصحافة الأميركية والبريطانية التي تتحدث عن وجود «صفقة» بين النظام السوري وواشنطن، للخروج من حالة الانسداد في العلاقة الثنائية التي بدأت منذ الاحتلال الأميركي للعراق وتكرست فيما بعد على خلفية جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

وإذا كانت كل من واشنطن ودمشق ترفضان الحديث بشكل صريح وواضح عن وجود «صفقة» فيما بينهما، فإنهما لم يرفضا ولم ينفيا وجود جهود ديبلوماسية واتصالات ثنائية على مستويات محددة. ويبدو أن الحاجة «للصفقة» صارت متبادلة على ضوء مرور أعوام كثيرة من التناقض والخلافات لم يستطع أي من الطرفين حسمها لصالحه، اذ تثبت التطورات الإقليمية وخصوصا في الملفين العراقي واللبناني وكذلك الفلسطيني، أن التلاقي والحوار الثنائي قد يؤدي الى الوصول إلى نتائج تحقق مصالح الطرفين بعكس حالة «القطيعة» الحالية. وعليه فإن موجبات التلاقي تفرضها حاجة أميركية لدمشق في العديد من الملفات الاقليمية وحاجة سورية تفرضها رغبة دمشق في تجاوز الضغوطات عليها ومحاولات عزلها دوليا.

هنا يمكن القول إن الولايات المتحدة ورغم محاولات التضييق كلها على دمشق، ورغم التلويح لها بإمكانية تغيير النظام عن طريق بعض المعارضة السورية في الخارج، إلا أنها تدرك جيدا أن تلك المعارضة لا يمكن التعويل عليها نتيجة ضعفها وتشرذمها وتناقضات عموم طيفها سواء منه الاسلامي أم الليبرالي الجديد، وهذا بحد ذاته أدركه النظام السوري باكرا ورأى فيه مصدر قوة له لا ضعف طالما أن لا أحد من المعارضة يستطيع ضمان الاستقرار الداخلي والاقليمي من بعده في حال اسقاطه.

وعليه يفسح ضعف المعارضة السورية، الى قوة النظام، وخبرته الطويلة في ضبط الكثير من البؤر القابلة للتفجر داخليا واقليميا، إمكانية لحصول تفاهمات ديبلوماسية جديدة بين واشنطن ودمشق، وربما هذا بالضبط ما كان مقصودا بالصفقة التي تم الحديث عنها.

ثمة ظروف أخرى تتعلق بالمأزق الأميركي المستمر في العراق بعد أكثر من عامين ونصف العام على احتلاله، إضافة لاعلان دمشق عن تأييدها ودعمها للعملية السياسية فيه، والجهود التي تبذلها على الحدود مع العراق للحد ما أمكن من عمليات التسلل إضافة لإلقائها القبض على المئات من العرب الذين كانوا يهمون لدخول العراق عبر اراضيها، وفيما بعد تسييرها لرحلات منتظمة من مطارها الى بغداد، ونيتها في إرسال سفير سوري الى العراق خلال الأسابيع المقبلة، و(مغادرة هذا السفير الى واشنطن في زيارة خاصة؟) ذلك كله يعطي مؤشرات الى أن دمشق تسعى لتجاوز النقاط الخلافية مع الولايات المتحدة، كذلك ما ابداه الرئيس بشار الأسد خلال حديث له مع محطة (سي إن إن) الأميركية من استعداد سوري للتعاون مع لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وامكانية التعاون مع محكمة دولية فيما لو اقتضت نتائج التحقيق ذلك، ذلك كله جعل التكهنات بحصول صفقة سورية أميركية ممكنا.

لكن ما هي النقاط التي تريد واشنطن من دمشق أجوبة بشأنها، وهل ستعمل سورية على تلبيتها أو هل تستطيع ذلك,؟

ما أوردته تقارير الصحافة الغربية يتحدث عن عرض أو تنازلات يجب أن تقوم بها دمشق في مقابل اخراج سورية من العزلة الدولية الواقعة فيها, و تتمحور هذه التنازلات على جملة مطالب رئيسية من شأنها ان تجنب سورية عقوبات دولية, أولها ان تتعاون سورية بالكامل مع محققي الامم المتحدة بشأن التحقيق في اغتيال الحريري وقبول اي طلب يصدر عنهم, وان يتم استجواب اي مسؤول في النظام السوري يرد اسمه كمشتبه به وحتى ملاحقته القضائية, وان يتوقف السوريون عن التدخل في شؤون لبنان، كذلك ان تتوقف دمشق عن تجنيد متطوعين وتمويلهم وتدريبهم ليشاركوا في اعمال عنف في العراق. ذلك كله مقابل أن (بحسب صحيفة تايمز البريطانية) تتعهد الولايات المتحدة اقامة علاقات كاملة وودية مع سورية فالأميركيون باتوا على قناعة ان الاجواء في منطقة الشرق الاوسط ستتغير برمتها في حال قامت سورية بتحول جذري في موقفها: فلبنان عندها سيتحرر وستوجه ضربة قوية للتمرد في العراق وسيفتح الباب امام سلام تدريجي بين اسرائيل وفلسطين».

ويتضح من مضمون ما سبق بغض النظر عن مدى دقته ، ان ليس هناك ما هو ثقيل على دمشق حتى ترفضه، لا بل هي غالبا ما تؤكد على تعاونها مع لجنة التحقيق في جريمة اغتيال الحريري إضافة الى كون الرئيس بشار الأسد راح الى ما هو ابعد من ذلك حين قال إن دمشق مستعدة للتعاون مع محكمة دولية وأنها تعتبر ان أي سوري له علاقة بجريمة اغتيال الحريري «خائن», كذلك يبدو أن دمشق لن تألو جهدا في التعاون أكثر من أي وقت في الموضوع العراقي إذا كان ذلك سيؤدي في نهاية المطاف الى وقف الضغوط عليها والوصول الى تفاهمات مع الولايات المتحدة بشأن ذلك.

هنا يجب التذكير بأن ثمة تسريبات عن اتصالات بين واشنطن ودمشق عن طريق أطراف عربية ساهمت في تجدد الحديث عن وجود «صفقة» وخصوصا ما راح اليه وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط حين قال ان مصر تحاول «إقامة جسر للحوار بين سورية من جهة والولايات المتحدة وفرنسا من جهة أخرى لتخفيف الضغوط على دمشق», وعكس المسؤول المصري رغبة أكثر من طرف عربي وربما شرق أوسطي في وضع حد لأزمة من شأنها أن تزيد من توتر المنطقة وتهدد الاستقرار الاقليمي خصوصا وأن العديد من دول المنطقة بدأت تعبر عن مخاوف وهواجس من استمرار العنف في العراق وامكانية خروجه من العراق ليهددها بشكل مباشر .

ذلك كله يؤكد أن «العودة» الأميركية الى النظام السوري لن تتم حبا به، بل بسبب غياب البدائل عنه وبسبب الحاجة الاقليمية للاستقرار وبسبب حاجة أميركية لمأزقها في العراق.

مصادر
الرأي العام (الكويت)