ان الادعاء بان الحقيقة قد كشفت كاملة هو ادعاء يجانب الصواب، باعتبار ان عملية اغتيال بالحجم المعروف، تخطيطا وتحضيرا وتنفيذا، تحتاج الى فترة اطول لجلاء جميع ملابساتها ودقائقها. لكن ذلك لا ينفي القول ان شطرا كبيرا واساسيا، من الحقيقة قد جرى الاعلان عنه، سواء لجهة طريقة التنفيذ او التحضير او اشتراك عناصر وجهات متعددة، او لجهة التحريض السياسي. ثمة امور باتت معروفة، مثل ذلك الدور التضليلي لوزير الخارجية السوري فاروق الشرع، أو دور المسؤول الامني في حركة الاحباش، او دور قادة الاجهزة الامنية، او موقع تفخيخ الشاحنة، او الاجتماعات التي عقدت في القصر الجمهوري.

لكن ثمة امورا ما زالت تحتاج الى جلاء، مثل الترابط بين البعد الجرمي والبعد التمويلي، او مدى مسؤولية القيادة السياسية السورية العليا، مما يفترض ان ينكب عليه التحقيق في مرحلته اللاحقة والموكلة اساسا الى القضاء اللبناني بمواكبته من لجنة التحقيق الدولية، خصوصا ان التقرير اشاد بكفاءة القضاء وقدرته على القيام بتحقيق فعّال.

في ظني ان السؤال الكبير يقع في استقراء طبيعة المرحلة المقبلة: ماذا بعد؟

ما يمكن الجزم به، من غير احتمال الوقوع في الخطأ، هي الامور التالية:

- لقد توارى شبح الفتنة الطائفية في لبنان بعدما ظهر جليا ان لا علاقة لأي من عناصر «حزب الله» في العملية الاجرامية، تخطيطا أو تنفيذا، وقد أدت السياسة الحكيمة من كل من الشيخ سعد الحريري والسيد حسن نصر الله الى تفادي الانزلاق الى أي احتقان مذهبي.

- لقد توارت ايضا اخطار انفجار أمني واسع يعيد الى البلاد شبح الحرب الاهلية. فليس من طرف سياسي لبناني واحد متأهب للدخول في مغامرة دموية، فضلا عن ان القيادة الفلسطينية الشرعية اتخذت موقفا بالغ الحكمة من أي امكان لتورطها في أي نزاع لبناني، بتأكيدها على رفض الانتشار الفلسطنيي المسلح خارج المخيمات، مما يرفع أي غطاء عن أي سلوك فلسطيني طائش. الى ذلك، فقد اتخذت كل من حركتي «حماس» و«الجهاد الاسلامي» مواقف صبّت في اتجاه التهدئة ومنع أي تصعيد في الموقف.

اما في الجوانب التي تبقى الاحتمالات فيها مفتوحة، فيمكن التوقف امام العناوين الآتية:

اولا: ـ كيف ستسلك القيادة السورية ميدانيا في لبنان؟ هل تلجأ الى سياسة ضبط النفس والامتناع عن أية ردة فعل، خصوصا مع التنبيهات الصارمة من الولايات المتحدة وفرنسا بتحذير القيادة السورية من أي عمليات انتقامية؟ هل يؤدي احتمال صدور قرارين من مجلس الأمن يشددان العقوبات على سوريا الى احتقان سوري ينفلت من عقاله؟

ثانيا ـ ماذا ستكون طبيعة التداعيات على موقع رئاسة الجمهورية؟ هل تتسع مروحة المطالبة باستقالة الرئيس اميل لحود ام تبقى الاطراف الداعمة لبقائه في السلطة (العماد ميشال عون، حزب الله والبطريرك مار نصر الله بطرس صفير) على موقفها عينه؟ هي ينتهي الامر الى صدام سياسي واسع في مجلس الوزراء؟ كيف سيتم التعايش بين رئيس الجمهورية والحكومة، وكلاهما ينتمي الى معسكر سياسي نقيض للآخر؟

ثالثا: كيف سترتسم آفاق العلاقات المستقبلية بين لبنان وسوريا، بعد اتهام قيادات سورية بالضلوع في الجريمة؟ هل ثمة امكانية للترميم؟ ام ان الامور بلغت نقطة اللارجوع؟

رابعا: أي مستقبل للعلاقات السورية ـ العربية، وخاصة مع المملكة العربية السعودية ومصر اللتين حاولتا اداء دور يحتوي الازمة ويمنع بلوغ العلاقة بين دمشق وواشنطن حدود الصدام المفتوح؟

هذه الملفات، وسواها، ستشهد سخونة سياسية كبيرة في قابل الايام، لكن ما يبعث على الاطمئنان ان المعلومات المتوافرة في بيروت تشير الى تحسن شديد في اداء الاجهزة الامنية، بعد تغيير قياداتها، واجراء تغييرات في جهازها البشري مما يقلّص من احتمالات الاختراق المعادي. كما ان المعلومات نفسها تتحدث عن انخراط الجيش اللبناني، على وجه كامل، في حماية المسيرة السياسية الجديدة، وضرب أي محاولة للنيل منها، بعدما بادر، منذ تظاهرة 14 آذار، الى اتخاذ موقف «الحياد الايجابي» الذي سهّل المظاهرة ووفر لها سورا امنيا تولى حمايتها.

التخوفات التي بلغت ذروتها عشية التقرير، بدأت تدريجيا بالانحسار، رغم استمرار مناخ الترقب بانتظار جلسة مجلس الامن الدولي في 25 الجاري.

هل تجاوز لبنان الخطر؟

ما زالت الاجابة باكرة

مصادر
الشرق الأوسط (المملكة المتحدة)