انتهى انتظار تقرير المحقق الألماني ديتلف ميليس في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. اليوم يبدأ ترقب من نوع آخر. كيف سيتابع مجلس الأمن القضية، وكيف ستعالج الدول الغربية علاقة <<الشبهة>> في الجانب السوري في التحقيق؟ وهل سيجري الضغط مجدداً لتنفيذ القرار 1559 ونزع سلاح المقاومة؟ وتكرّ مسبحة الأسئلة؛ لأن التقرير لم يكن حاسماً. المتابعات لن تكون سهلة في أي من الملفات المذكورة. أصحاب العلاقة في كل منها سيحقنون معطيات جديدة. وبين التعليقات من هنا والتحفظات والرفض من هناك، سيعود التجاذب على الصعيد اللبناني والصعيد اللبناني السوري والصعيدين الإقليمي والدولي.

التقرير في قسمه العملاني لا يحمل جديداً بالنسبة لكيفية حصول الاغتيال. فقط انفجار فوق الأرض وألف طنّ من الديناميت في شاحنة ميتسوبيشي، ومراقبة واتصالات خليوية متشعّبة فيها خيوط غير مستكملة. لائحة الشهود تراجعت، والصدّيق سقط من شاهد الى متهم ومتورّط. الشاهد الثاني غامض بانتظار متابعات قضائية تؤمن حصانات له. أبو عدس موجود في الجريمة على شريط الفيديو فقط، ولا وجود له في الوقائع الأساسية.

القادة الأمنيون لهم علاقة غير واضحة في مرحلة ما قبل الجريمة، وعلاقة بالتغطية على الجريمة والتلاعب بالأدلة فيما بعد. وتبقى مسألة الاتصالات الهاتفية الخلوية المعقّدة التي يتورّط فيها كثيرون اعتقدوا أن الحداثة في الاتصالات كافية لمنع رصد مكالماتهم، ليكتشفوا فيما بعد أن السجلّ الخلوي قادر على كشفهم. هذا الموضوع مطروح للمتابعة لتحديد الأطراف المتصلة والمضمون بعدما تحددت مواعيد الاتصالات وأرقام الهواتف للأمنيين والسياسيين المتصّل بهم.

تقرير ميليس يقول في الاستنتاجات الاتهامية، وبعضها يدور حول الأجواء السياسية، انه بناءً على النتائج التي توصلت اليها اللجنة والتحقيقات اللبنانية حتى اليوم، واستناداً الى الأدلة المادية والوثائقية التي تمّ جمعها، والتي جرت متابعتها حتى الآن، هناك دليل متقارب يشير إلى تورط لبناني وسوري في اغتيال الرئيس الحريري. والسبب كما ترى اللجنة انه ونظراً لاختراق الاستخبارات السورية واللبنانية للمؤسسات والمجتمع اللبناني، من الصعب تصور السيناريو الذي حصلت بواسطته مؤامرة اغتيال بهذا التعقيد وقد نفّذ من دون علمهم.

وتعتبر اللجنة أن التحقيق يجب أن يتواصل لفترة زمنية مقبلة؛ لأنه لم يكتمل بعد، والصورة النهائية قد تحتاج الى أشهر وربما سنوات. ويجب أن يسير قدماً عبر السلطات الأمنية والقضائية اللبنانية المعنية، التي أثبتت خلال التحقيق أن بإمكانها، مع المساعدة والدعم الدوليين، التحرّك قدماً. واذا رغبت السلطات اللبنانية يمكن تحديد برنامج مساعدة ودعم للسلطات اللبنانية في مجالي الأمن والعدل (ما هو أبعد من 15 كانون الأول المقبل). وترى اللجنة أنه نتيجة للتحقيق جرى اعتقال عدد من الأشخاص، ووجهة نظر اللجنة أن جميع الناس، وبينهم هؤلاء المتهمون، يجب أن يعتبروا أبرياء الى أن تثبت إدانتهم في محاكمة عادلة.

في قضية العلاقة السورية بالجريمة تقول اللجنة إنها قابلت شهوداً ومشتبهاً فيهم في سوريا وأن العديد من الأدلة تشير مباشرة الى مسؤولين أمنيين سوريين بصفتهم متورطين في عملية الاغتيال، وأنه يتوجب على سوريا أن توضح جزءاً كبيراً من القضايا التي لم تجد لها حلاً، رغم التعاون المحدود مع اللجنة، وانه لا يمكن الوصول الى الصورة الكاملة لعملية الاغتيال الاّ عبر القيام بتحقيق شامل وموثوق ومفتوح وشفاف.

في سوريا النظرة مختلفة والتسييس هو الصفة الغالبة في التعليقات على ميليس وتقريره. ما هي الأدوار المطلوبة لاحتواء التوتر الذي خلّفه التقرير، وكيف يمكن تجاوز المواجهة السورية؟ هل ستتابع الجامعة العربية أو مصر والسعودية وآخرون دور تقريب وجهات النظر بين سوريا ولبنان وبين سوريا والدول الغربية، وكيف يمكن الوصول إلى تسوية؟

لعلّ أبرز المشاكل المباشرة أمام التقرير هو ترجمته إلى قرارات من مجلس الأمن تتيح المتابعة من خلال تشكيل محكمة دولية خاصة، وجلب المتهمين والشهود إلى خارج لبنان حيث يمكن استكمال الاجراءآت القضائية، أو من خلال تمديد انتداب لجنة ميليس حتى نهاية العام، وهذا ما فعله الأمين العام للامم المتحدة. المشكلة أن بعض هذه القرارات قد يتناول سوريا، كما أن كل هذه القرارات والإجراءات والمتابعات ستأخذ وقتاً طويلاً للتنفيذ، مما سيجعل التداعيات تأخذ حجماً تصاعدياً سياسياً وإعلاميّاً وربما أمنياً في لبنان، ولاسيما في موضوع رئاسة الجمهورية، وكذلك بين لبنان وسوريا على مستويات مختلفة، قد تنطلق من مضايقات على الحدود، وتصل إلى ذرى لا يعرف مداها أحد حتى الآن.

والسؤال الذي لا يمكن لأحد أن يتجاوزه اليوم هو هل يستطيع لبنان الرسمي أن يتابع أجواء التصعيد بين الأكثرية والقوى الأخرى دون أن يدخل الحكم في أزمة، وسط الضغوط الدولية حول القرارين 1559 و1595؟ وهل سيتمكّن الحكم والحكومة من الاستمرار بالتوافق الهش القائم أم أن العقد الى انفراط؟ وما هي التسوية الممكنة سياسياً بين الأفرقاء جميعاً على الخطوات المقبلة، وهل تكفي التسوية والتهدئة الداخلية لمعالجة الوضع مع سوريا؟

البيانات السياسية اللبنانية تحاول الإمساك بالأمور خوفاً من قلب الطاولة على الجميع، ولكن الاكثرية السياسية فتحت الهجوم بقوة على رئيس الجمهورية تطالبه بالاستقالة فوراً. واضح من جهة ثانية أنه لن يتبرّع أحد بتقديم قرينة البراءة للمتهمين بعدما أصبحت المسألة أكبر من كل القيادات السياسية. واللافت في التحرّك السياسي المتردد أن حلفاء سوريا في لبنان يحاولون حصر الجريمة بالمتّهمين بها، هذا إذا ثبتت إدانتهم، بينما الأكثرية الجديدة تحاول الإفادة سياسياً لبنانياً ودولياً من خلال إلقاء التهم صعوداً مهما كانت النتائج.

هناك قوى لبنانية ودولية تعتقد اليوم، أن لبنان جديداً معادياً لسوريا أو خارجاً عن نطاق سيطرتها، يمكن أن يشكل الحافز القوي لنهضة المعارضة السورية، والإغراء الأكبر لها للوثوب الى السلطة أو لبناء التحالفات الإقليمية والدولية اللازمة للاقتراب منها. هؤلاء يريدون أن يتحوّل الانسحاب السوري والاتهامات لأجهزتها الأمنية، إلى مناسبة للعودة بلبنان إلى نمط التحالفات المحلية والوصاية الدولية، التي كانت تفرض عليه العمل في دائرة السياسات الغربية، وربما الى تحويله من جديد إلى مصدر ضغط وتهديد للأمن والاستقرار في سوريا.

لقد برز توجّه من هذا النوع في تصريحات لأعضاء في الأكثرية النيابية في الأشهر الماضية، واستفادت الولايات المتحدة من هذا المناخ لتشجّع على المزيد من الافتراق، وتواصلت عملية الاستعداء، حتى بات موقف تيارات معادية تاريخياً لسوريا (التيّار الوطني الحر) يبدو وسطيّاً وداعياً للتعقل بعدما <<انسحبت سوريا وأصبح من الضروري إقامة علاقات أخوة وجوار>> كما يقول الناطقون باسم هذا التيّار.

بعض اللبنانيين انطلق مما كتبه الصحفي اللبناني الشهيد سمير قصير: <<القضية القومية العربية انكمشت الآن الى هدف واحد هو التخلص من أنظمة الإرهاب والانقلابات، واستعادة حريات الشعوب كمقدمة لبعث عربي جديد. إنها تدفن الكذبة بأن الأنظمة الاستبدادية تستطيع أن تكون درعاً للقومية. بيروت صارت القلب النابض للقومية العربية الجديدة>>. ولكن المنطلقين من هذه المقولة لا يدركون أن الشهيد قصير يشير الى حركة مستقبلية على المدى البعيد، لأنه كان يدرك أن التغيير عملية شاقة ومعقّدة، وتحتاج الى أكثر من تظاهرة في بيروت.

البعض الآخر من اللبنانيين كان ينتظر انتهاء الجدل حول المدى الذي سيصل إليه التدخل الأميركي لإحداث التغيير في المنطقة، وفي سوريا تحديداً. ولكن هل يستطيع صقور الإدارة الأميركية <<المحافظون الجدد>> النجاح فوراً في استهداف سوريا في تخطيطهم للتغيير في المنطقة. وهل يمكن أن يتّكل غلاة اللبنانيين على المعارضة السورية للقفز فوق حقائق الحاضر بينما النظام يستمر قوياً في سوريا؟ نتيجة أي تصعيد من الأكثرية ضد سوريا لها مخاطرها. والجواب يطلّ في نموذج ذاقه اللبنانيون سابقاً، وهو بالتأكيد السير السريع نحو قطيعة شبيهة بتلك التي عرفها البلدان عشية الاستقلال عن الانتداب الفرنسي. ومما يدفع للتخوّف من هذا الاتجاه سيطرة التصورات التبسيطية لطبيعة المصالح المختلفة التي تربط سوريا بلبنان ونعرة العصبية الوطنية المصطنعة التي تنزع الى قبول المخاطرة والاستهتار بالمصالح المشتركة.

إن التبسيط يقود إلى ردود أفعال سلبية تنعكس على العلاقات السورية بانهيار لا يمكن ترميمه بسهولة. والنعرة الوطنية المصطنعة حافز للمزايدة المتهوّرة. إن استبعاد الخيارات السلبية والمتطرفة يتطلب التراجع عن أوهام الانتصار ومقولات التجمّعات التي عشناها في آذار الماضي. المطلوب البحث عن الحلول والتحلي بالحكمة في معالجة أزمة يبدو أن القوى الخارجية تتحكّم بوسائل توجيهها وتخضعها لحسابها أكثر بكثير من الأطراف اللبنانية.

لقد تميّزت ردود الفعل السورية حتى اليوم بالردّ على السياسيين اللبنانيين الذين شنّوا الهجوم عليها، كما ردّت على الموقف الرسمي الذي حاول الرئيس فؤاد السنيورة فيه إمساك العصا من الوسط بتدابير الشاحنات على الحدود. ثم انتقلت الى موقع عدم الرد وتجاهل اتصالات السنيورة برئيس الوزراء السوري ناجي العطري عندما اختلطت التصريحات في مسألة تحقيق ميليس مع جوانب متصّلة بالعلاقة بين البلدين. إن سوريا تنتظر أن يعلن الرئيس السنيورة موقفه من تقرير ميليس قبل تحديد طبيعة ردود فعلها الجديدة. وإذا كان الرئيس السوري بشّار الأسد قد أكّد براءة سوريا من دم الشهيد رفيق الحريري، فإنه كان يفسح للراغبين في تفهّم هذا الموقف أن يعلنوا موافقتهم على ذلك.

إن الأيام سوف تقدّم الدليل على أن الحكمة ستتغلّب على المزايدات. ولعل النائب سعد الحريري يوفّر اليوم المدخل الى الحكمة. هذا الكلام لا يعني التفريط بالحقيقة، ولا يعني تجاوز أفعال المجرمين وضرورة متابعة الاقتصاص منهم محلياً ودولياً، ولكنه يحافظ على مصلحة لبنان واللبنانيين في عدم الوصول إلى حالة مواجهة كسر عظم مع سوريا. قد يكون سعد الحريري مدركاً ضرورة إبعاد هذه الكأس عن لبنان، وترك الموضوع للمعالجات الدولية، فيكتفي بالتصعيد في موضوع إزاحة الرئيس اميل لحّود... والبقية تأتي لاحقاً.

مصادر
السفير (لبنان)