على مدى التاريخ ، كانت الشجاعة تُعرّف – ومهما تنوعت مصادر التعريف – أنها : الجرأة ... الإقدام ... وأنها قوة أو شدة القلب عند وصول اليأس إلى منتهاه ... والشجاع هو الذي يدخل ساحات الخطر دون خوف .. وهو الذي يصبر على الألم دون شكوى ........

هذه الفضيلة الأصليّة ، بعد ( نهاية التاريخ : نهاية تاريخنا فقط ) و ( ابتداء تاريخ : بداية تاريخنا فقط ) ، ماذا صارت تعني هذه الفضيلة ؟ هل بقيت كما كانت عليه ؟ أم أصبحت تعني شيئاً آخر ؟ أم أنها لم تعد تعني شيئاً محدّداً ؟؟....

قبل الإعلان عن بدء نهاية التاريخ ( تاريخنا ) بفترة وجيزة ، هناك من اعتبر الرئيس أنور السادات ( شجاعاً ) ، وبعد الإعلان عن بدء نهاية التاريخ ( تاريخنا ) بفترة وجيزة ، هناك من اعتبر جاره ( القائد ) معمّر القذافي ( شجاعاً ) ، وبين الفترتين هناك من حاول من جيران آخرين أن ينال ( شرف ) هذه ( الفضيلة ) ولكنه فشل بسبب مقاومة ( الجبناء الإرهابيين ) .

تقول ( التايمز ) البريطانية : .... أن ثمة شكوك حول ما إذا كان بشار الأسد ( قوياً وشجاعاً ) كفاية للقيام بالخطوة ذاتها ( أي الخطوة التي قام بها القذافي ) .

هنا يجب أن تستدرجك المقولة لاستنتاج هام إلى أبعد الحدود ، وهو أن التايمز متأكدة أن ( بشّار الأسد ) يحتاج إلى قوة للمواجهة في حال أقدم على الخطوة ( القذافية ) ، لكنّ التايمز لم تذكر من هي الجهة التي يجب أن تواجهها ( قوة ) بشّار الأسد ؟؟؟ كما أن التايمز متأكدة أن ( بشّار الأسد ) يحتاج إلى ( الشجاعة ) في حال أقدم على الخطوة ( القذّافية ) ، لكن مرة أخرى لم تذكر التايمز ما هي المخاطر التي يجب أن تواجهها ( شجاعة ) بشّار الأسد دون أن يرتجف قلبه ؟؟؟

لا أعتقد في هذا المجال أن أحداً يمكن أن يعتقد ، أن التايمز تقصد ، أن رئيس سوريا يجب أن يمتلك القوة والشجاعة تجاه أمريكا حين يقرر الخضوع لها ولشروطها الأربعة !!!! فمن يخضع لا يحتاج إلى القوة والشجاعة تجاه خصمه ، فيبقى السؤال إذن دون جواب ، وتبقى الجهة التي يجب أن تواجهها قوة وشجاعة رئيس سوريا ، جهة موجودة حقيقية بنظر التايمز البريطانية ، لكنّ التايمز لا تريد أن تذكرها ، ونعرف لماذا لا تريد أن تذكرها !!!

إنه عصر ( الوقاحة ) بلا منازع ... ترى التايمز كما كلّ الغرب ، أن النظام الذي يحكمنا ، يحكمنا بالقوة ، لكن في نفس الوقت ترى التايمز كما كل الغرب ، أنّ هذا النظام لا يمتلك ( القوة ) الكافية تجاه الشعب في اتخاذ مثل هكذا خطوة !!!!! إنه عصر ( الوقاحة ) بلا منازع ، ترى التايمز كما كلّ الغرب ، أنّ النظام الذي يحكمنا لا يقيم أي اعتبار لشعبه أو لمصالح هذا الشعب ، لكن في نفس الوقت ، ترى التايمز كما كلّ الغرب ، أن هذا النظام لا يملك ( الشجاعة ) تجاه شعبه ليختار الخطوة يريدها ، فيمتنع عن القيام بالخطوة ( القذافية ) .

يعتزّ بوش أمام شعبه ، أنه قوي وشجاع ، ويثبت لهم ذلك في أنه يحقق مصالح هذا الشعب وأمنه القومي .... لكن كل هذا مرهون ( بقوة وشجاعة ) بشّار الأسد في أن يهدر مصالح شعبه والأمن القومي لهذا الشعب !!!!

لم يعد للفضائل تعريف واحد ، لكن .... جهة واحدة تكتب التعريفين . لم يعد للعالم تاريخ واحد ، لكن ...... جهة واحدة تكتب التاريخين .

منّا من يساند الباطل .. وهو يدري ، ومنّا من يساند الباطل .. وهو لا يدري ، فمن منّا يقف مقاوما الباطل سواء كان يدري أو لا يدري ؟؟؟

إن الذين ( منّا ) أو من غيرنا ، الذين يعيبون علينا قلة الحرية والديموقراطية ، وقلة الوعي والإدراك ، والاستخدام السيئ للاقتصاد ، وانتشار الفساد والمفاسد ، وتراجع العلم وانتشار التخلف ، وأخطائنا في لبنان .. و .. و ...و ... وألف ألف و .. ، نقرّ لهم بكل هذا وربما أكثر بكثير مما يمكن أن يذكروه .

لكن ... يجب أن يعرفوا وعلى نفس القاعدة الواردة في آية كريمة : ( ألاّ تزر وازرة وزر أخرى .. ) أن كل ما نقرّ به ، لن يجعلنا نقبل أن يصنع أحد لنا تاريخاً وقيما وفضائل وبالتالي ... هوية ، فهذا ما نصنعه نحن : بحسنه ، كما بعجره وبجره ، ويحب أن يعرفوا أيضاً أن بشّار الأسد هو قبل وبعد كلّ شيء مواطن سوري ، ووالله لم يغير سوري حتى هذه اللحظة مفهومه عن القوة والشجاعة .

حين يخلو ما دعي بـ (( إعلان دمشق )) ، من أي إشارة مهما كانت صغيرة ، إلى دور المشروع الأمريكي / الصهيوني ، ومهما كان هذا الدور صغيراً أو كبيراً في وصولنا إلى ما نحن عليه ، فإن من حقنا أن نستغرب هذا التجاهل ، تماماً كما نستغرب حين يحمّل آخرون كل تبعات ما نحن عليه من تراجع وقلق للمخطط الأمريكي الصهيوني فقط ، وكأننا منزهّون عن الخطأ .

يجب أن نجيب على سؤال خطير : هل تاريخ أمريكا ، منذ استخدامها للسلاح النووي في اليابان ، ثم مروراً بفيتنام ، وصولاً إلى افغانستان والعراق ، يشير إلى خير في علاقاتها مع شعوب العالم ؟؟؟

وسؤال آخر لكن أخطر : هل يوجد مشروع صهيوني أمريكي يستهدف ما يسمّى بالشرق الأوسط أم هذا وهم ؟؟ وإذا كان هذا المشروع حقيقة وليس وهماً ، ويتناول هويتنا بكل تفاصيلها الحضارية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعرقية والدينية ........ ، فهل وصل هذا المشروع إلى نهايته وتحديداً تجاه دمشق ؟؟ أم أن هذا المشروع في الطريق وهو في حالة تقدم ؟؟؟

وسؤال أخطر فأخطر : هل نحن كما يجب ، هل نسلك على الأقل ليــس كأعداء لذواتنا ولمصالحنا في الحياة ؟؟ هل نحن صادقين أننا نشعر بخطر كبير يهدد مصيرنا ووجودنا ، هل حقيقة أن المجتمع الذي يشعر أن مصيره ووجوده مهددان تسلك مؤسساته ما تسلك ، ويسلك مسؤولوه ما يسلكون ، وتسلك أحزابه ما تسلك ، ويسلك مواطنوه ما يسلكون ؟؟؟ هل حقيقة هذا السلوك يترجم صدقنا بأننا قلقين على مستقبل أولادنا الذين نحبهم ؟؟ أم أننا مصابون بفصام من نوع فريد ؟؟؟

يجب أن تقتصر ثقافتنا التوحيدية على ما يخص الله فقط ، فلا المحمّلين كل ما نحن عليه من تراجع فقط لسبب داخلي بمحقين ، ولا المحمّلين كل ما نحن عليه فقط لسبب خارجي بمحقين .

هذا التوحيد والاختزال للأسباب وزجّها في سبب وحيد ، هو مريح للذهن ، لكنه لن يؤدي بنا إلى التقدم لو خطوة واحدة ، لأنه توحيد مخالف للمنطق ولطبيعة الحياة وقوانينها ، هو توحيد كافر وظالم للنفس وللآخر .

إننا تعتقد أن المسؤول سمي مسؤولاً لأنه مسؤول ، كما نعتقد أن غير المسؤول لم يسمّ مسؤولاً لأنه غير مسؤول ، والكارثة الكبرى هو أن تنقلب الأدوار ... فيسلك ويتصرف المسؤول وكأنه غير مسؤول وهو مسؤول ، ويسلك ويتصرف غير المسؤول وكأنه مسؤول وهو غير مسؤول ، لكنّ الكارثة الأكبر حين تخلو الجماعة أو يخلو المجتمع ممن يشعرون بحسّ المسؤولية سواء كانوا مسؤولين أو غير مسؤولين .

هذه الأيام لا أحد إلاّ ويراها عصيبة ، وهي حقاً عصيبة ، ولكن هذا هو الراهن ، فهل نحن على استعداد لدفع ثمن أخطائنا الماضية والراهنة ، لكن شرط أن تدفع ( الفاتورة ) فقط في حساب المستقبل ؟؟؟

ألسنا على استعداد لنقف في اللحظة الراهنة ، دون وجل أو خوف ، ونقول : حسناً وصلنا إلى ما وصلنا إليه ، فماذا يجب أن نعمل الآن وليس غداً ، كي نحفظ وجودنا ونسعى لترقيته ، لكن شرط أن نبدأ بحفظه وترقيته معاً ، فلا تحتمل الحياة الإلغاء ، لأن الحياة هي التفاعل ، ولأن الخلق هو تفاعل ، فالتقدم في حفظ الوجود ، سيؤدي إلى إمكانية ترقي هذا الوجود ، لكن بالمقابل ترقي هذا الوجود هو مواكبة لقوانين الحياة ، فيؤدي إلى حفظ أعلى لهذا الوجود .... وهكذا سلسلة لا تنتهي من التفاعل وليس الانتظار ، فالعمل فقط من أجل الصمود والتصدي هو في النهاية عمل خاسر ، والعمل على الترقي دون حساب للمخاطر التي تهدد وجودنا هو عمل مهلك ، إذن فلنتوزع الأدوار ، فرقاً حثيثة العمل في حفظ الوجود ، وفرقاً حثيثة العمل على ترقية هذا الوجود ، لأن الزمن لن يسعفنا إن لم نبدأ ، وربما خرج غداً التاريخ في وجهنا ، وهدر بصوته : اخرجوا من بابي يا أولاد الأفاعي ، لم يعد لكم عندي مزيد من الوقت .

القوة هي القول في إثبات حقنا أو إنكاره ، والشجاعة هي أن نُقدم لا أن نتراجع ، لكن في النهاية .... يبقى المسؤول مسؤولاً لأنه مسؤول ، والتاريخ تاريخ لا تاريخان .

22 – 10 - 2005