النقاش اللبناني حول تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية ديتليف ميليس يغرق في تفصيل بسيط ورد في سطر واحد من إحدى فقراته بشكل عابر، ويضيع عن الكثير من النقاط الجوهرية التي أراد القاضي الألماني أن يسجلها للتاريخ، قبل أن يقدم على الخطوة التالية التي لن تكون سارة على الأرجح للبنانيين جميعا، بغض النظر عما إذا كانوا يظنون أن سوريا هي التي قتلت الرئيس رفيق الحريري او يشتبهون في أنه قتل نفسه من أجل ان يخدم المؤامرة عليها. ولعل أكبر إساءة يمكن ان تلحق بذكرى الراحل الكبير وأغرب قراءة لنص التقرير هي تلك التي تختزل استنتاجات المحقق الدولي وتوظفها في المعركة من أجل إسقاط الرئيس إميل لحود.. الذي يفترض أن يكون الخيار الافضل للتعامل معه من الآن فصاعدا هو الاكتفاء بإخضاعه للمزيد من العزلة والحصار، وحفظ خطاب القسم وبيان التمديد بأحرف من ذهب في كتب التاريخ اللبناني.

ولا يجوز محاسبة الرئيس إميل لحود على جريمة لم يعرف بها حتى الآن، ولم يدرك بالفعل أبعادها او مخاطرها في أي لحظة.. كما لا يصح ان تظل الرئاسة الاولى هي القضية الاولى بعد اليوم، او ان يتحول السكن في قصر بعبدا الى ذريعة لاي نوع من المواجهات السياسية الداخلية التي تدور من الآن فصاعدا حول قضايا اكثر جدية وحيوية لمستقبل البلد ومؤسساته والعلاقات بين طوائفه.

فالمجتمع الدولي الذي قرر فرض الحصار على الرئيس لحود والتزم به منذ زمن بعيد سبق اغتيال الحريري، لم يكن يعبر عن مواقف شخصية مصدرها البيت الابيض او قصر الاليزيه، كما لم يكن يعكس فقط امتعاضا خاصا من الرجل وكفاءته وخبرته وبرنامج عمله، بقدر ما كان يتعامل مع حقائق لبنانية موضوعية، لم تعترف بها سوريا في أي يوم من الايام، بل لعلها كانت السبب في الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها طوال السنوات ال15 الماضية.

لكن الرئيس لحود لم يفقد شعبيته المحلية نتيجة ذلك القرار الدولي الذي كان ولا يزال يجري تصويره باعتباره مؤامرة او شكلا من أشكال الوصاية.. التي يخطئها بعض حلفاء رئيس الجمهورية اليوم مثلما يجهلها جميع خصومه، لا سيما أولئك الذين قرأوا تقرير ميليس بصفته كلمة السر للانتخابات الرئاسية. افتعال مثل هذه المعركة حول الرئاسة الاولى خطأ سياسي، لا يخفف منه سوى الاعتراض الذي يعبر عنه حلفاء الرئيس لحود، لا سيما حزب الله وتيار الجنرال ميشال عون.. الذين يظنون انهم يعززون موقعهم في اختيار الرئيس البديل، لكنهم في الحقيقة يخسرون من رصيدهم الشعبي والسياسي، ما لا يمكن تعويضه حتى ولو جاء الرئيس المقبل من صفوفهم.

في تقرير ميليس سطر واحد عن الرئيس لحود، وسطور لا تحصى عن التحقيق الذي لم ينته، ولا يرغب القاضي الالماني في ان يستكمله، لاسباب ليس لها علاقة بما يسمى معركة رئاسة الجمهورية اللبنانية.

مصادر
السفير (لبنان)